أنا د. علي العليوي، ابن قرية عبطين في ريف حلب الجنوبي، وفي مقبرتها يرقد أجدادي. فيها وُلدت ونشأت وترعرعت، وبين بيوتها وحقولها وطرقها عشت سنوات الطفولة والصبا والشباب، وهناك بدأت تتشكل في ذاكرتي الأولى صورة المكان وأهله وتاريخه.
ورغم أن مسيرة الحياة أبعدتني، مُجبَرًا، عن قريتي ومسقط رأسي أكثر من خمسة وأربعين عامًا، فإن حلب وعبطين وريف حلب بقيت حاضرةً في ذاكرتي ووجداني، وظل الحنين إلى العودة إلى تلك الأرض يرافقني طوال هذه السنوات.
وقد عدت، والحمد لله، بعد هذا الغياب الطويل إلى مسقط رأسي، لألتقي من جديد بالأماكن التي احتفظت بها في ذاكرتي طوال تلك السنين؛ ببيوت القرية وقبابها وطرقاتها وحقولها، وبالأرض التي شهدت طفولتي وصباي وشبابي. كانت العودة بالنسبة إليّ أكثر من مجرد زيارة إلى مكان غبت عنه؛ كانت لقاءً مع جزء من حياتي وذاكرتي، واستعادةً لصور وذكريات ظلّت ترافقني أينما كنت. ومع كل طريق أسلكه وكل موضع أراه من جديد، أشعر أنني أستعيد شيئًا من ذلك الزمن، وأن الحلم الذي حملته طويلًا في داخلي قد بدأ، والحمد لله، يتحقق.
ومن الذكريات التي بقيت راسخة في مخيلتي ما حدث في دار أسرتنا في عبطين، وهي الدار التي وُلدت ونشأت فيها. فعندما حفرت في أرض الدار ظهرت جرار تحتوي على عظام بشرية، وكان منظر تلك الجرار والعظام يثير في نفسي منذ ذلك الوقت أسئلة لم أنسها: من هؤلاء الذين عاشوا هنا قبلنا؟ ومتى عاشوا؟ وما الذي تخفيه هذه الأرض من آثار وقصص لم نعرفها بعد؟
وبقيت تلك المشاهد حاضرة في ذاكرتي، ورسخت لديّ شعورًا بأن منطقتنا غنية بالشواهد الأثرية التي لم يُكتشف أو يُدرس ويُوثق كثير منها حتى اليوم.
إن الآثار التي تنتشر في هذه المنطقة ليست بالنسبة إليّ مجرد حجارة قديمة أو جرار أو عظام بقيت تحت التراب، بل هي شواهد على أناس عاشوا على هذه الأرض قبلنا؛ بنوا بيوتهم، وسلكوا طرقها، واستعملوا مياهها، وزرعوا أرضها، وعاشوا فيها أفراحهم وأحزانهم، ثم رحلوا وبقيت آثارهم شاهدةً عليهم.
وما تركوه في هذه الأماكن هو خيط يصل حاضرنا بماضيهم، ويجعلنا نتساءل عن تاريخ الإنسان الذي عاش هنا عبر آلاف السنين. ولهذا أرى أن ما تختزنه أرض حلب وريفها الجنوبي من مواقع وشواهد غير مدروسة هو جزء ثمين من الذاكرة التاريخية للمنطقة، يستحق أن يُكتشف ويُدرس ويُوثق علميًا، وأن يُحفظ للأجيال القادمة.
درستُ طب الأسنان وتقويم الأسنان في فرنسا، وكرّست جانبًا كبيرًا من حياتي لمهنتي وعائلتي، لكن شغفي بالتاريخ لم يفارقني. فقد ظل البحث في تاريخ المشرق وحضاراته هوايةً أحبها وأعود إليها كلما أتيحت لي الفرصة.
وعلى مر السنين كتبت عددًا من المقالات والبحوث ولقاءات صحفية، وعملت على عدد من المشروعات التاريخية، من بينها مشروع كتاب عن التاريخ العلمي للحضارة العربية الإسلامية، ومشروع كتاب عن العلاقات الأخوية بين العرب والأكراد عبر التاريخ، إلى جانب أبحاثي المتواصلة في تاريخ حلب وريفها الجنوبي.
ومن هذا الاهتمام نشأت فكرة «مركز البحوث عن المشرق»، الذي أسسته ليكون إطارًا لجمع هذه الأبحاث والدراسات ونشرها، والإسهام في التعريف بتاريخ المشرق وحضاراته وتراثه.
وفي إطار هذا المركز وُلد مشروع «حلب وريفها الجنوبي عبر التاريخ». وهو بالنسبة إليّ ليس مجرد مشروع لكتابة تاريخ قرية أو مجموعة من القرى، بل محاولة لجمع ما تفرّق من تاريخ هذه المنطقة، والبحث في المصادر والوثائق والخرائط القديمة والدراسات الأثرية، وربطها بما بقي محفوظًا في ذاكرة أهلها وبما يمكن مشاهدته على الأرض.
وتحتل عبطين مكانة خاصة في هذا العمل؛ فهي مسقط رأسي ونقطة البداية، لكن البحث يمتد إلى حلب وريفها الجنوبي بما فيه من مدن وقرى ومواقع أثرية وطرق تاريخية ومجالات استيطان تفاعلت فيما بينها عبر العصور.
وما أقوم به اليوم أفعله هوايةً ومحبةً للتاريخ ووفاءً للأرض والذاكرة. إنه حلم حملته في داخلي سنوات طويلة، وأشعر اليوم، وأنا أعود إلى هذه الأماكن وأبحث في تاريخها وأجمع وثائقها وصورها وشهادات أهلها، أن ذلك الحلم بدأ يتحقق.
وأرجو أن يكون ما أجمعه وأكتبه لبنةً في حفظ ذاكرة حلب وريفها الجنوبي، وأن يبقى متاحًا لأبنائها وللباحثين وللأجيال القادمة، وأن يكون كذلك دعوةً إلى دراسة المواقع الأثرية التي ما زالت تنتظر البحث والمسح والتنقيب والتوثيق العلمي.
د. علي العليوي
ابن عبطين – حلب وريفها الجنوبي
مؤسس مركز البحوث عن المشرق
17 أيلول/سبتمبر 2026.

د. علي العليوي أمام ثانوية إبراهيم هنانو في حلب، التي درس فيها خلال سنوات شبابه، وتظهر قلعة حلب في الخلفية – 2026.

د. علي العليوي في أرضه في عبطين – ريف حلب الجنوبي