عبطين في العصور الآرامية والآشورية والبابلية

مقدمة

تمثل العصور الآرامية والآشورية والبابلية مرحلة مهمة في تاريخ شمال سورية، إذ شهدت المنطقة خلال الألف الأول قبل الميلاد تحولات سياسية وعسكرية كبرى، بدأت بظهور عدد من الممالك الآرامية، ثم خضوع أجزاء واسعة من شمال سورية للإمبراطورية الآشورية الحديثة، قبل انتقال السيطرة في أواخر القرن السابع قبل الميلاد إلى الدولة البابلية الحديثة.

وتقع عبطين ضمن المجال الجغرافي لجنوب حلب، بالقرب من موقع قنسرين التاريخي ووادي نهر قويق، وهي منطقة ارتبطت منذ العصور القديمة بطرق الحركة والاستيطان في شمال سورية. ومع ذلك، لا تتوافر حتى الآن، في حدود ما عثرنا عليه من المصادر المنشورة، نصوص تاريخية أو حفريات أثرية تثبت بصورة مباشرة وجود مستوطنة باسم «عبطين» خلال العصور الآرامية أو الآشورية أو البابلية. ولذلك سيعتمد هذا الفصل على دراسة السياق التاريخي والأثري لمحيط حلب وجنوبها، مع التمييز بوضوح بين ما هو موثق في المصادر وما يحتاج إلى إثبات أثري مباشر في عبطين نفسها.

شمال سورية في العصر الآرامي

مع بداية الألف الأول قبل الميلاد برز الآراميون قوةً سياسية وسكانية مهمة في بلاد الشام وشمال سورية، وتشكلت في المنطقة عدة ممالك وإمارات آرامية. وكان من أبرز الكيانات في شمال سورية مملكة بيت أغوشي التي ارتبط مركزها السياسي بمدينة أرفاد» نكتب «التي أصبحت أرفاد مركزها السياسي الأبرز. كما بقيت حلب مركزًا مهمًا في المنطقة، ولا سيما بما ارتبط بها من مكانة دينية قديمة لعبادة الإله حَدَد.

وكانت المنطقة الواقعة حول حلب جزءًا من شبكة واسعة من المدن والطرق والأراضي الزراعية التي ربطت شمال سورية بالفرات والداخل السوري. وتقع عبطين إلى الجنوب من حلب ضمن هذا المجال الجغرافي الأوسع. غير أن قربها من حلب لا يكفي وحده لإثبات تبعيتها السياسية لكيان آرامي معين؛ وحتى الآن لا نملك نصًا آراميًا أو آشوريًا معروفًا يذكر عبطين باسمها في هذه المرحلة. ولذلك فإن الحديث عن عبطين في العصر الآرامي يجب أن يبقى ضمن إطارها الإقليمي، إلى أن توفر التنقيبات أو المكتشفات المستقبلية دليلًا مباشرًا على طبيعة الاستيطان في موقعها.

حلب ومحيطها في العصر الآرامي

كانت حلب في مطلع الألف الأول قبل الميلاد مدينة ذات جذور أقدم بكثير من العصر الآرامي، واستمرت أهميتها خلال العصر الحديدي، ولا سيما بوصفها مركزًا دينيًا ارتبط بعبادة إله العاصفة حدد. وتشهد المكتشفات الأثرية في معبد إله العاصفة على قلعة حلب على استمرار المكانة الدينية للمدينة خلال هذه المرحلة. وفي شمال حلب برزت مملكة بيت أغوشي الآرامية، وكانت أرفاد مركزها السياسي الأبرز، وظهرت في النصوص الآشورية بوصفها إحدى القوى السياسية المهمة في شمال سورية. ومن ثم كانت منطقة حلب ومحيطها جزءًا من فضاء سياسي وثقافي شهد تفاعل الممالك الآرامية مع القوى المجاورة، قبل ازدياد التدخل الآشوري في المنطقة..

أما عبطين، الواقعة جنوب حلب، فلا تتوافر حتى الآن أدلة منشورة تسمح بربطها مباشرة بمملكة آرامية محددة. ولذلك فإن أهمية دراسة حلب والممالك الآرامية المجاورة في هذا الفصل تكمن في أنها تقدم السياق الإقليمي الذي كانت تقع ضمنه منطقة عبطين، من دون أن نعتبر ذلك دليلًا مباشرًا على وجود مستوطنة باسم عبطين في تلك الفترة.

التوسع الآشوري في شمال سورية ومنطقة حلب

ابتداءً من القرن التاسع قبل الميلاد أخذ النفوذ الآشوري يتزايد تدريجيًا في شمال سورية، حيث دخل الملوك الآشوريون في صراعات وتحالفات مع الممالك المحلية. وبلغ هذا التوسع مرحلة حاسمة في عهد الملك تغلث فلاسر الثالث (745–727 ق.م.)، الذي اتبع سياسة أكثر مباشرة في إخضاع الممالك السورية وتحويل عدد من أراضيها إلى وحدات إدارية تابعة للإمبراطورية الآشورية. وتوثق حولياته حملاته على بيت أغوشي ومناطق أخرى من شمال ووسط سورية.

وكانت أرفاد، مركز مملكة بيت أغوشي شمال حلب، من أبرز المواقع التي واجهت التوسع الآشوري. وتُظهر السجلات الآشورية حملات متتابعة على أرفاد في أربعينيات القرن الثامن قبل الميلاد، واكتمل إخضاع أرفاد للسلطة الآشورية سنة 740 ق.م.، ثم أصبحت أرفاد جزءًا من النظام الإداري الآشوري؛ وتوجد لاحقًا رسائل إدارية آشورية صادرة من أرفاد نفسها. وقد أدى ذلك إلى تغير كبير في الخريطة السياسية لشمال سورية ووضع منطقة حلب ضمن فضاء خاضع بصورة متزايدة للسلطة الآشورية..

عبطين ومحيطها في ظل السيطرة الآشورية

إن خضوع أجزاء واسعة من شمال سورية للسلطة الآشورية خلال القرن الثامن قبل الميلاد يضع منطقة جنوب حلب ضمن الإطار الجغرافي العام الذي تأثر بالتحولات السياسية والإدارية الآشورية. وقد ارتبطت السيطرة الآشورية بشبكة من المدن والطرق والمراكز الإدارية التي ساعدت على إدارة الأراضي ونقل الجيوش والضرائب والمنتجات بين مناطق الإمبراطورية. وبحكم موقع عبطين جنوب حلب وفي المجال الممتد نحو وادي نهر قويق، فإن دراسة هذه التحولات ضرورية لفهم البيئة التاريخية الأوسع التي يقع فيها موقع القرية.

ومع ذلك، لا توجد حتى الآن، في حدود المصادر المنشورة التي نعتمد عليها، وثيقة آشورية تذكر عبطين باسمها، كما لا توجد حفريات أثرية منشورة في موقع القرية تثبت بصورة مباشرة وجود مستوطنة آشورية فيها. لذلك لا يمكن الجزم بأن عبطين الحالية كانت قرية قائمة في ذلك العصر، ولا تحديد اسم الموقع القديم إن كان مأهولًا. وتبقى المواقع الأثرية والفخار والقبور والمنشآت التي عُثر عليها ميدانيًا في عبطين ومحيطها شواهد تستحق الدراسة، لكن تحديد تاريخها يتطلب مسحًا أثريًا متخصصًا وفحصًا علميًا للمواد المكتشفة.

سقوط الإمبراطورية الآشورية وانتقال شمال سورية إلى الحكم البابلي الحديث

شهدت العقود الأخيرة من القرن السابع قبل الميلاد انهيار الإمبراطورية الآشورية الحديثة بعد سلسلة من الحروب التي خاضتها ضد تحالف قادته القوى البابلية والميدية. وسقطت نينوى سنة 612 ق.م.، ثم انسحبت بقايا السلطة الآشورية غربًا واتخذ آشور أوبلّط الثاني من حرّان مركزًا للمقاومة. وسقطت حرّان في أيدي البابليين والميديين سنة 610/609 ق.م.، ثم حاول آشور أوبلّط الثاني، بمساندة قوات مصرية، استعادتها سنة 609 ق.م.، إلا أن المحاولة لم تنجح. وأدى انهيار السلطة الآشورية إلى فتح المجال أمام الدولة البابلية الحديثة لبسط نفوذها على أجزاء واسعة من سورية، في وقت سعت فيه مصر أيضًا إلى التدخل في المنطقة,.

وحُسم جانب مهم من الصراع على سورية في معركة كركميش سنة 605 ق.م.، عندما هزم الجيش البابلي بقيادة ولي العهد نبوخذ نصر الجيش المصري الموجود في كركميش، ثم لاحقت القوات البابلية فلوله جنوبًا. وأسهم هذا الانتصار في ترسيخ النفوذ البابلي في سورية، فأصبحت مناطق واسعة منها ضمن مجال السيطرة البابلية الحديثة. وبالنسبة إلى حلب وجنوبها ومحيط عبطين، فإن هذه التحولات تقدم الإطار السياسي العام للمنطقة، إلا أن ذلك لا يسمح وحده بالقول إن عبطين كانت مستوطنة معروفة في العصر البابلي؛ إذ لا نملك حتى الآن نصًا بابليًا أو دليلًا أثريًا منشورًا يذكرها باسمها أو يحدد طبيعة الاستيطان في موقعها خلال هذه المرحلة.

عبطين ومحيطها في العصر البابلي الحديث

خلال القرن السادس قبل الميلاد أصبحت سورية جزءًا من المجال السياسي للدولة البابلية الحديثة، ولا سيما في عهد نبوخذ نصر الثاني (605–562 ق.م.). وكانت السيطرة على سورية ذات أهمية كبيرة للبابليين بسبب موقعها بين بلاد الرافدين وشرق البحر المتوسط، وبسبب الطرق التي تربط وادي الفرات بمدن الداخل السوري والساحل. وكانت منطقة حلب وجنوبها تقع ضمن هذا الإطار الإقليمي الذي تأثر بالتحولات السياسية والاقتصادية التي رافقت الحكم البابلي.

أما بالنسبة إلى عبطين ومحيطها، فلا نملك حتى الآن نصوصًا بابلية منشورة تذكر القرية باسمها، ولا نتائج تنقيب أثري تسمح بتحديد طبيعة الاستيطان فيها خلال القرن السادس قبل الميلاد. ولهذا ينبغي التمييز بين وجود المنطقة ضمن المجال التاريخي العام الخاضع للبابليين وبين إثبات وجود عبطين نفسها كمستوطنة في ذلك العصر. وتبقى المواقع الأثرية المعروفة ميدانيًا في محيط عبطين ذات أهمية كبيرة للبحث المستقبلي، لأنها قد تساعد، إذا خضعت للمسح والتنقيب العلمي، على تحديد تسلسل الاستيطان في المنطقة خلال العصر الحديدي وما بعده.

خلاصة الفصل

تكشف دراسة العصور الآرامية والآشورية والبابلية عن التحولات السياسية الكبرى التي شهدها شمال سورية خلال الألف الأول قبل الميلاد. فقد برزت في المنطقة ممالك آرامية، من أبرزها مملكة بيت أغوشي التي كانت أرفاد مركزها السياسي الأبرز، ثم توسعت الإمبراطورية الآشورية تدريجيًا حتى أخضعت أجزاء واسعة من شمال سورية، قبل أن تنهار في أواخر القرن السابع قبل الميلاد وتنتقل السيطرة على المنطقة إلى الدولة البابلية الحديثة. وقد ظلت حلب ومحيطها خلال هذه المراحل جزءًا من فضاء جغرافي مهم يربط شمال سورية ببلاد الرافدين ووادي الفرات وداخل بلاد الشام.

أما عبطين، فإن موقعها جنوب حلب يجعل دراسة هذه التحولات ضرورية لفهم تاريخ محيطها الإقليمي، لكن الأدلة المتاحة حتى الآن لا تسمح بإثبات وجود مستوطنة باسم عبطين خلال هذه العصور. ولذلك يجب أن يبقى الفصل بين التاريخ الموثق للمنطقة وبين الشواهد الميدانية المحلية التي لم تُؤرَّخ علميًا بعد أساسًا في دراسة تاريخ القرية. وقد تساعد المسوحات والتنقيبات الأثرية المستقبلية، ولا سيما في المواقع المعروفة ميدانيًا حول عبطين، على سد هذه الفجوة والكشف عن مدى استيطان المنطقة خلال العصر الحديدي.

المصادر والمراجع

1. Hayim Tadmor & Shigeo Yamada, The Royal Inscriptions of Tiglath-pileser III (744–727 BC) and Shalmaneser V (726–722 BC), Kings of Assyria, The Royal Inscriptions of the Neo-Assyrian Period (RINAP 1), Eisenbrauns, 2011.

2. Trevor Bryce, The World of the Neo-Hittite Kingdoms: A Political and Military History, Oxford University Press, 2012.

3. H. W. F. Saggs, The Might That Was Assyria, Sidgwick & Jackson, London, 1984.

4. A. K. Grayson, Assyrian and Babylonian Chronicles, Eisenbrauns, 2000.

5. Amélie Kuhrt, The Ancient Near East, c. 3000–330 BC, Routledge, London–New York, 1995.

6. Kay Kohlmeyer, “The Temple of the Storm God in Aleppo during the Late Bronze and Early Iron Ages,” Near Eastern Archaeology, Vol. 72, No. 4, 2009, pp. 190–202.

Laisser un commentaire