عبطين في العهد العثماني سنة 1536م: السكان والأرض وصلتها بمدينة حلب أقدم تسجيل عثماني معروف للقرية

رسم تخيلي لما كانت عيه عبطين منذ ٥٠٠ سنه تقريبا

عبطين في دفاتر التحرير العثمانية في القرن السادس عشر

يرد أقدم تسجيل عثماني معروف لقرية عبطين في دفتر تحرير لواء حلب المفصل رقم TD 397، المحرر سنة 943هـ/1536م، في عهد السلطان سليمان القانوني.

وقد سُجل اسم القرية بالصيغة العثمانية:

Karye-i ‘Abtin, tâbi‘-i Matah

ومعناها:

قرية عبطين التابعة لناحية متخ من لواء حلب.

كانت ناحية متخ تمثل قسمًا مهمًا من الريف الجنوبي لحلب، وضمت وفق إحصاء الدفتر ثماني قرى مأهولة ومئة وأربعًا وثلاثين مزرعة، إضافة إلى أراضٍ زراعية وقرى خربة أو قليلة السكان.

بلغ مجموع سكان الناحية المسجلين ضريبيًا 123 خانة و42 رجلًا بالغًا غير متزوج وثلاثة أئمة. أما مجموع دخلها الضريبي فبلغ 152,870 آقجة عثمانية.

سكان عبطين سنة 1536م

سجل الدفتر في عبطين عشر خانات ضريبية. والخانة في اصطلاح دفاتر التحرير لا تعني شخصًا واحدًا، بل تمثل أسرة أو وحدة منزلية يرأسها رجل بالغ متزوج.

وبذلك يمكن القول إن عبطين كانت تضم سنة 1536م عشر أسر مسجلة لدى الإدارة العثمانية، إضافة إلى النساء والأطفال وغير المكلفين بالضرائب. ولذلك كان عدد سكان القرية الحقيقي أكبر من رقم عشر خانات.

ولا تعني هذه الخانات أنها تمثل عشر كنى عائلية ثابتة كالكنى المعروفة اليوم؛ فقد كان التسجيل في القرن السادس عشر يعتمد غالبًا على اسم الرجل واسم أبيه، بينما ظهرت الألقاب العائلية الثابتة بصورتها الحديثة في فترات لاحقة.

محاولة قراءة أسماء أصحاب الخانات العشر

لم تقدم الطبعة الحديثة من الدفتر تفريغًا واضحًا لأسماء أصحاب الخانات في عبطين. وبالرجوع إلى صورة السجل العثماني الأصلي، تبدو الأسماء مكتوبة بخط دقيق ومتداخل، وقد أصاب بعض الحروف التلاشي.

لذلك فإن القائمة الآتية ليست قائمة نهائية، بل محاولة أولية لقراءة الأسماء، مع ذكر الاحتمالات الممكنة ودرجة الثقة في كل قراءة:

الرقمالقراءة المحتملةقراءة بديلة محتملة
1جمعة بن عمر العسّاسي
2علي بن جمعةعلي بن جمعة العسّاسي
3محمد بن خليلمحمود بن خليل
4عثمان بن عليشعبان بن علي
5سليمان بن حسن
6يوسف بن عمر
7قاسم بن يوسف
8درويش بن عليخضر بن علي
9خليل بن محمدخليل بن محمود
10عيسى بن حسنموسى بن حسن

ينبغي التعامل مع هذه الأسماء باعتبارها قراءات خطية محتملة، لا أسماء مؤكدة. وقد تتغير بعض القراءات إذا عُثر على صورة أوضح أو قورنت بدفاتر عثمانية أخرى، مثل دفاتر سنوات 1526 و1550 و1570 و1584م.

الاسمان المؤيدان بقيود أخرى

يوجد اسمان من هذه القائمة تؤيدهما نصوص أخرى في دفتر سنة 1536م:

جمعة بن عمر العسّاسي

ورد اسمه بصورة واضحة نسبيًا بوصفه صاحب حصة ملكية خاصة في أرض عبطين. ولذلك فإن احتمال وجوده بين أصحاب الخانات العشر أقوى من احتمالات بقية الأسماء.

علي بن جمعة العسّاسي

ورد اسمه مرتبطًا بمزرعة مريج السيل القريبة من عبطين، حيث كانت له مؤسسة تعليمية أو وقف عرف في الدفتر باسم «المكتب».

وقد يكون علي ابن جمعة بن عمر العسّاسي، أو من أفراد أسرته، لكن الدفتر لا يذكر سلسلة نسب كاملة تسمح بإثبات ذلك بصورة نهائية.

مساحة أراضي عبطين وإنتاجها الزراعي

بلغت مساحة الأرض المسجلة لقرية عبطين أربعة وعشرين فدانًا عثمانيًا. وكانت الحنطة والشعير من أهم محاصيلها، إضافة إلى رسوم تتعلق بالمواشي والنحل وبعض الحقوق الزراعية والعرفية.

وقُسمت الأرض بين ثلاثة أنواع رئيسية:

  • ملك خاص لجمعة بن عمر العسّاسي، بمقدار يقارب 6.875 فدان.
  • حصة وقفية باسم كمال الدين محمد بن جمال الدين يوسف، بمقدار يقارب 8.25 فدان.
  • أرض أميرية أو ميرية، بمقدار يقارب 8.875 فدان.

ويبلغ مجموع هذه الحصص أربعة وعشرين فدانًا، وهو مجموع أرض القرية المسجل في الدفتر.

ولا نستطيع الجزم بأن جميع أصحاب الحصص كانوا يقيمون داخل عبطين؛ فقد يكون بعضهم من سكان مدينة حلب أو من أصحاب الحقوق الذين يديرون أراضيهم بواسطة وكلاء أو فلاحين محليين.

بلاس بيد أهالي عبطين

ورد في دفتر سنة 1536م:

مزرعة بلاس بيد أهالي قرية عبطين.

وكانت بلاس وقفًا للأمير:

حسام الدين حسن بن خليل بن عمي أوغلو.

وبلغ دخلها المسجل ألفي آقجة.

وتثبت هذه العبارة أن النشاط الزراعي لأهالي عبطين لم يكن محصورًا ضمن حدود القرية، بل كانوا يخرجون إلى بلاس وغيرها من الأراضي المحيطة لزراعتها.

ويحتمل أن يكون قسم من الفلاحين يقيم في المزرعة خلال مواسم البذار والحصاد، ثم يعود إلى عبطين، وهو نمط معروف في القرى التي تزرع أراضي ومزارع خالية من السكان الدائمين.

كفر عابد: صلة مباشرة بين عبطين والجامع الكبير في حلب

يسجل الدفتر عن كفر عابد:

مزرعة كفر عابد، زرعها أهل عبطين، وهي وقف الجامع الكبير في حلب.

وهذا من أهم النصوص المتعلقة بتاريخ عبطين، لأنه يثبت وجود علاقة مباشرة بين أهل القرية ومؤسسة دينية كبرى داخل مدينة حلب.

كانت العلاقة على الصورة الآتية:

أهل عبطين يزرعون كفر عابد ← ريع الأرض أو حصتها الوقفية يعود إلى الجامع الكبير في حلب.

وكان وكلاء الوقف وجباته ومشرفوه يتابعون الأرض والمحصول والإيجار. ولهذا يحتمل أن تكون سجلات وقف الجامع الكبير قد تضمنت أسماء مزارعين أو مستأجرين من عبطين لم يذكرهم دفتر التحرير.

مريج السيل والمزارع القريبة من عبطين

ذكر دفتر 1536 عددًا من المزارع والمواضع المتصلة بعبطين، منها:

  • بلاس.
  • كفر عابد.
  • مريج السيل.
  • كوكب، وكانت مسجلة مزرعة خربة.
  • سليكو الدرب أو شقيق الدرب.
  • أراضٍ ومزارع أخرى تابعة لناحية متاح.

وكانت مريج السيل قريبة من عبطين ومرتبطة باسم علي بن جمعة العسّاسي. أما سليكو الدرب فكانت من الإقطاعات العربية وبلغ دخلها المسجل تسعمئة آقجة.

وتبين كثرة المزارع المحيطة بالقرية أن عبطين كانت مركزًا لسكان يزرعون رقعة أوسع من حدود مساكنهم.

سكان حلب الذين كانوا يزرعون في ناحية متاح

يقدم دفتر سنة 1536 دليلًا صريحًا على وجود أشخاص من سكان مدينة حلب يزرعون أراضي في ناحية متاح.

ومن أوضح الأمثلة:

مزرعة قبلايا، زرعها الحاج يوسف والحاج إبراهيم من مدينة حلب.

وجاء النص العثماني:

Mezra‘a-i Kıblāyā, zera‘ahā Hācī Yūsuf ve Hācī İbrāhīm, min-medīne-i Haleb

تكتسب هذه العبارة أهمية خاصة لأنها لم تقل إن الحاج يوسف والحاج إبراهيم كانا مجرد مالكين، بل استعملت فعل «زرعها».

وقد ظهر الاسمان معًا في مواضع أخرى من الدفتر بوصفهما مالكين لحصص زراعية. كما ظهر اسم عبد الكريم بن الحاج يوسف في قيد آخر، مما يرجح وجود شبكة عائلية أو استثمارية أوسع.

ومثال آخر:

مزرعة حَوْرايا التابعة لزيتان، بيد الخواجة بهاء الدين من حلب.

ويبدو من مقارنة مواضع اسمه أن المقصود هو:

الخواجة بهاء الدين المعروف بابن شيخ الدهيشة.

وكانت له حقوق زراعية ووقفية في أكثر من موضع من ريف حلب.

ولا تثبت هذه النصوص أن هؤلاء الأشخاص كانوا يقيمون في القرى طوال العام. فقد يكونون من سكان المدينة الذين يخرجون إلى الريف في المواسم، أو يديرون أراضيهم بواسطة وكلاء وعمال وفلاحين محليين.

أوقاف الجلوم وصلتها بالريف الجنوبي

تكشف الوثائق وجود روابط مالية وزراعية قوية بين ناحية متخ ومؤسسات دينية حلبية تقع في الجلوم والمناطق المتصلة بها.

الجامع الكبير

امتلك الجامع الكبير في حلب أوقافًا زراعية في ناحية متخ، منها:

  • كفر عابد التي كان يزرعها أهل عبطين.
  • مريج الأشهب.
  • دير صليبا.
  • أراضٍ ومزارع أخرى.

ولأن الجامع الكبير يقع في نطاق الجلوم، فقد شكّل وكلاء الوقف وجباته والمستأجرون المتعاملون معه حلقة اتصال مستمرة بين الجلوم وعبطين والريف الجنوبي.

البيمارستان النوري

كانت للبيمارستان النوري، المرتبط بمحلة الجلوم، حصة في مزرعة الخالدية، كما كانت له حصة في حميراء القريبة من زيتان، مخصصة لمصالح دار الشفاء في حلب.

المدرسة المقدمية

كانت مزرعة العبيدية في ناحية متخ وقفًا كاملًا للمدرسة المقدمية في حلب، وهي من المؤسسات المرتبطة بمحلة الجلوم.

وتؤكد هذه الأمثلة أن العلاقة بين مدينة حلب والريف الجنوبي لم تكن علاقة فردية عابرة، بل شبكة مؤسساتية منتظمة تنتقل عبرها المحاصيل والأموال والإيجارات.

ظهور عبطين في وثيقة عثمانية بين 1570 و1578م

ظهر اسم عبطين مرة أخرى في دفتر المهمات العثماني رقم 11، ضمن حكم صدر في الفترة بين 1570 و1578م.

يذكر الحكم أن رجلًا اسمه عمر كان متصرفًا بزعامة يبلغ دخلها 25,080 آقجة، تتكون من عبطين ومواضع أخرى في ناحية متخ.

وبعد وفاة عمر، أعطي معظم دخل الزعامة إلى نصر الدين، آلاي بك أضنة، بينما طلب محمود بن عمر، ابن صاحب الزعامة المتوفى، أن يمنح الجزء الباقي، ومقداره خمسة آلاف آقجة.

والأسماء الواردة في الوثيقة هي:

  • عمر، صاحب الزعامة المتوفى.
  • محمود بن عمر، ابنه.
  • نصر الدين، آلاي بك أضنة.

ولا تعني هذه الوثيقة أن عمر ومحمودًا كانا من سكان عبطين؛ فالزعامة كانت حقًا ماليًا وعسكريًا في ضرائب مجموعة من القرى. لكنها تثبت استمرار ظهور عبطين في الإدارة العثمانية بعد تسجيل سنة 1536.

وقف المدرسة الحلاوية وشغيدلة القريبة من عبطين

تقدم أوقاف المدرسة الحلاوية خيطًا مهمًا يعود إلى القرن السابع عشر وبداية القرن التاسع عشر.

ذكر كامل الغزي في كتابه «نهر الذهب في تاريخ حلب» أنه اطلع على دفترين أصليين يتعلقان بأوقاف المدرسة الحلاوية:

  • دفتر أحكار أوقاف المدرسة الحلاوية المؤرخ سنة 1079هـ/1668–1669م.
  • دفتر إيراد المدرسة الحلاوية المؤرخ سنة 1219هـ/1804–1805م.

وذكر ضمن أملاك المدرسة:

قرية شغيدلة قرب قرية عبطين.

تقع المدرسة الحلاوية في المنطقة الحضرية المتصلة بالجلوم، ضمن محلة جب أسد الله المجاورة للجلوم الكبرى.

وهكذا تتشكل صلة موثقة:

مؤسسة دينية حلبية قرب الجلوم ← وقف زراعي في شغيدلة ← جوار عبطين.

وقد تحتوي دفاتر الوقف الأصلية على أسماء مستأجري شغيدلة والمزارعين ووكلاء الوقف والجباة، وربما أماكن إقامتهم داخل مدينة حلب.

الحركة الموسمية بين مدينة حلب والقرى

تدل الوثائق على ثلاثة أنماط من الحركة بين المدينة والريف:

  1. سكان قرى يزرعون مزارع خارج قراهم، مثل أهل عبطين الذين زرعوا بلاس وكفر عابد.
  2. أشخاص من مدينة حلب يزرعون أراضي في ناحية متخ، مثل الحاج يوسف والحاج إبراهيم.
  3. أصحاب أوقاف وحقوق يقيمون في المدينة ويديرون أراضيهم الريفية بواسطة وكلاء أو فلاحين.

ويذكر كامل الغزي أن عددًا كبيرًا من المزارع الخالية من السكان في قضاء جبل سمعان كانت تزرع من قبل سكان القرى الآهلة القريبة منها. كما ذكر عبطين وبلاس وكفر عبيد والمريج وشغيدلة ضمن البيئة الزراعية نفسها.

ولا تقول الوثائق صراحة إن الأشخاص كانوا يذهبون إلى القرى في بداية الموسم ثم يعودون إلى حلب بعد الحصاد؛ لكن طبيعة الزراعة، ووجود مزارع بلا سكان دائمين، وورود عبارة «زرعها فلان من مدينة حلب»، تجعل الحركة الزراعية الموسمية استنتاجًا تاريخيًا قويًا، مع بقائه بحاجة إلى دعم من سجلات المحكمة وعقود الإجارة.

احتمال انتقال بعض الأسر من حلب إلى عبطين

تحتفظ بعض أسر عبطين بروايات عن وجودها سابقًا في مدينة حلب، ولا سيما في الجلوم وباب النيرب، قبل استقرارها في القرية.

ومن المسارات المحتملة أن تكون أسرة تقيم في حلب مرتبطة بمسجد أو وقف، ثم بدأت بزراعة أرض في ناحية متخ بصورة موسمية، قبل أن يستقر أحد فروعها في عبطين.

ومن الأمثلة أسرة الخطيب، التي تحفظ سلسلة نسب متوارثة تنتهي عند الجد إبراهيم الذي كان يسكن حلب  في الجلوم :

خلاصة

تكشف الوثائق العثمانية أن عبطين لم تكن قرية معزولة عن مدينة حلب، بل كانت جزءًا من شبكة اقتصادية واجتماعية واسعة.

فقد كان أهل عبطين يزرعون أراضي خارج قريتهم، مثل بلاس وكفر عابد، وكانت بعض هذه الأراضي أوقافًا لمؤسسات دينية داخل حلب. وفي الوقت نفسه كان أشخاص من سكان المدينة، مثل الحاج يوسف والحاج إبراهيم، يزرعون أراضي في ناحية متاح.

كما ارتبطت أراضي الريف الجنوبي بالجامع الكبير والبيمارستان النوري والمدرسة المقدمية والمدرسة الحلاوية، وهي مؤسسات تقع في الجلوم أو في المحلات المتصلة به.

وتجعل هذه المعطيات احتمال انتقال بعض الأسر من الجلوم وباب النيرب إلى عبطين احتمالًا تاريخيًا معقولًا، سواء حدث الانتقال بصورة مباشرة أو سبقته أجيال من التردد الموسمي بين المدينة والأرض.

أما أسماء أصحاب الخانات العشر في عبطين سنة 1536، فما زالت قراءتها احتمالية، باستثناء الاسمين اللذين تؤيدهما قيود أخرى: جمعة بن عمر العسّاسي وعلي بن جمعة العسّاسي.

ويظل الوصول إلى الأسماء المؤكدة لسكان القرية مرتبطًا بالحصول على صور أوضح للدفتر، ومقارنته بدفاتر التحرير اللاحقة وسجلات محكمة حلب وأوقافها.

المصادر

  1. رئاسة أرشيف الدولة العثمانية، «دفتر تحرير لواء حلب المفصل رقم 397، سنة 943هـ/1536م»، قسم ناحية متاح، الصفحات الأصلية 128–137:
    النسخة الرسمية من دفتر TD 397
  2. دفتر المهمات العثماني رقم 11، السنوات 978–986هـ/1570–1578م، الحكم رقم 687، الصفحة 306:
    نص دفتر المهمات رقم 11
  3. كامل الغزي، «نهر الذهب في تاريخ حلب»، الجزء الأول، الكلام على قرى ومزارع قضاء جبل سمعان:
    قرى ومزارع جبل سمعان
  4. كامل الغزي، «نهر الذهب في تاريخ حلب»، الجزء الثاني، الكلام على أوقاف المدرسة الحلاوية:
    أوقاف المدرسة الحلاوية
  5. دفتر أحكار أوقاف المدرسة الحلاوية، سنة 1079هـ/1668–1669م، كما نقله كامل الغزي.
  6. دفتر إيراد المدرسة الحلاوية، سنة 1219هـ/1804–1805م، كما نقله كامل الغزي.

كانت المنطقة جنوب حلب نحو سنة 1536م أرضًا زراعية سهبية مفتوحة؛ ليست غابة كثيفة، وليست صحراء خالية. وكانت القرى المأهولة كعبطين تحيط بها الحقول والمراعي والمزارع الموسمية، بينما تنتشر بينها مواضع كثيرة مسجلة بوصفها «مزارع خرابًا» تُزرع أحيانًا من سكان القرى القريبة.

المناخ

كان المناخ قريبًا في نظامه العام من مناخ المنطقة المعروف: شتاء بارد ممطر، وربيع قصير كثير الخضرة، ثم صيف طويل جاف وحار. لكن الدراسات المناخية تشير إلى أن سنة 1536م تقع عند بداية مرحلة باردة وجافة نسبيًا امتدت في بلاد الشام تقريبًا من القرن السادس عشر إلى القرن التاسع عشر، ضمن ما يسمى «العصر الجليدي الصغير».

لا يعني ذلك أن الثلوج كانت دائمة، بل إن الأمطار كانت أكثر تقلبًا من سنة إلى أخرى؛ فقد تأتي سنة جيدة تمتلئ فيها السهول بالقمح والشعير، ثم تعقبها سنة شحيحة يقل فيها المحصول وتجف المراعي. ولذلك اعتمد نجاح الزراعة اعتمادًا كبيرًا على مطر الشتاء والربيع. وهذه الصورة المناخية العامة مستندة إلى دراسة حبوب اللقاح القديمة في سورية، وليست قياسًا مباشرًا خاصًا بعبطين سنة 1536م. الدراسة المناخية عن سورية

المياه

لا يذكر دفتر سنة 1536م نهرًا دائمًا يمر بعبطين نفسها، ولذلك يبدو أن زراعتها كانت في معظمها زراعة بعلية تعتمد على الأمطار. أما مياه الشرب وسقي الحيوانات فكان من المرجح الحصول عليها من الآبار والينابيع المحلية والصهاريج التي تجمع مياه المطر.

ومع ذلك، تظهر أسماء المواضع المحيطة أن المنطقة لم تكن عديمة الماء، ومنها:

  • مرج السيل القريب من عبطين، واسمه يدل على أرض منخفضة تجتمع فيها مياه السيول بعد المطر.
  • عين الصافية.
  • عين العين.
  • عين الفرياد.
  • عين مباركة.
  • عدد من الطواحين المائية المسجلة في ناحية المطخ، منها طواحين في الوضيحي والأبيض والخالدية والحويرة والمهدية.

وجود الطواحين لا يعني أن كل قرية امتلكت نهرًا دائمًا؛ فقد تكون أقيمت على مجرى محلي أو قناة أو نبع قوي، وربما كان تشغيل بعضها موسميًا. والأرجح أن الأرض القريبة من عبطين كانت تستفيد من السيول الشتوية ومن المياه المتجمعة في المنخفضات، بينما بقيت زراعة الحبوب قائمة أساسًا على المطر.

الأرض والنبات الطبيعي

كانت طبيعة الأرض مزيجًا من:

  • سهول منبسطة أو متموجة صالحة للحراثة.
  • تلال أثرية وطبيعية صغيرة، وهو ما توضحه كثرة أسماء المزارع التي تبدأ بكلمة «تل».
  • أودية ومسايل موسمية.
  • مراعي سهبية تغطيها الأعشاب في الشتاء والربيع، ثم تجف وتصفر صيفًا.
  • بقع أكثر خصوبة حول العيون ومجاري السيول.

وكان الغطاء النباتي الطبيعي يتكون على الأرجح من الحشائش والنباتات السهبية والشجيرات القصيرة، مع نباتات رعوية وشوكية برية. ولم تكن المنطقة مكسوة بغابات متصلة؛ فالمنظر الأقرب كان حقولًا مفتوحة تفصل بينها المراعي والمسالك والأراضي غير المزروعة.

المحاصيل

المحصول المثبت بصورة مباشرة في سجل عبطين سنة 1536م هو القمح. فقد سجل الدفتر:

قرية عبطين، عشر خانات، وأربع وعشرون فدانًا، وعشرون مكّوكًا من الحنطة.

وكانت ضريبة المحصول تؤخذ بنسبة الخُمس، أي إن نظام التسجيل يدل على أن الدولة أو أصحاب الحقوق كانوا يأخذون خمس المحصول المقرر ضريبيًا.

أما القرى المأهولة القريبة من عبطين، مثل برنة وعسان ومهيّا، فقد سجل فيها القمح والشعير معًا. وهذا يجعل الصورة الزراعية العامة لناحية المطخ واضحة:

  1. القمح، وهو المحصول الرئيس لغذاء السكان وصناعة الخبز.
  2. الشعير، وكان أصلب احتمالًا للجفاف، ويستعمل لطعام الناس وعلف الحيوانات.
  3. زراعة بعض المزارع التابعة للقرية خارج حدودها المباشرة، مثل بلاس وكفر عبيد.
  4. احتمال زراعة البقول والنباتات العلفية في بعض الأراضي، ولو أن سجل عبطين نفسه لا يسميها.

ويذكر دفتر حلب عمومًا زراعة الدخن والعدس والحمص والفول والبصل والكرسنة أو البيقية، إلى جانب القمح والشعير. لكن لا يجوز نسبة جميع هذه المحاصيل إلى عبطين تحديدًا من دون سجل صريح؛ فهي محاصيل مثبتة في لواء حلب الأوسع.

كما كانت توجد البساتين والكروم في المواضع الأكثر توفرًا بالماء، ويذكر الدفتر في لواء حلب العنب والتين والتوت والجوز والزيتون. إلا أن قيد عبطين الخاص لا يسجل ضريبة بساتين أو كروم أو زيتون، مما يرجح أن اقتصادها سنة 1536م كان قائمًا على الحبوب والمراعي أكثر من قيامه على الأشجار المثمرة.

الأشجار

كانت الأشجار في جنوب حلب أقل كثافة من الحقول والمراعي. ومن المحتمل وجود:

  • أشجار التين والعنب في الحدائق القريبة من البيوت.
  • التوت في بعض القرى لخدمة تربية دود الحرير.
  • الجوز في الأماكن الأوفر ماء.
  • الزيتون في أجزاء من لواء حلب، ولكن ليس لدينا دليل مباشر على بساتين زيتون كبيرة في عبطين سنة 1536م.
  • أشجار برية متناثرة مثل البطم واللوز البري والزعرور، خصوصًا قرب التلال والأراضي الأقل حراثة.

لذلك لا ينبغي تصوير عبطين آنذاك بوصفها قرية محاطة بغابات أو بساتين زيتون واسعة. الصورة الأكثر دقة هي قرية صغيرة تحيط بها حقول القمح، ثم المراعي والمزارع المفتوحة، مع أشجار محدودة قرب البيوت ومصادر الماء.

الحيوانات المستأنسة

تثبت سجلات ناحية المطخ وجود ضريبة تسمى رسم الماعز والنحل، وهو دليل على تربية الماعز ووجود خلايا نحل في عدد من قرى المنطقة. وكانت الحيوانات الأهم على الأرجح:

  • الغنم: الحيوان الأكثر ملاءمة للمراعي السهبية، وكانت قطعان التركمان والعرب تمر في أرياف حلب أو تنزل فيها موسميًا.
  • الماعز: مثبت ضريبيًا في قرى ناحية المطخ، وكان يستفاد من لبنه وشعره ولحمه.
  • الأبقار والثيران: استُعملت في الحراثة وجر المحاريث؛ فمصطلحات «الفدان» و«الچفت» في السجل مرتبطة بقدرة زوج من حيوانات الجر على حراثة الأرض.
  • الحمير والبغال: لنقل الحبوب والماء والأمتعة بين القرى ومدينة حلب.
  • الخيل: للتنقل والحراسة والخدمة العسكرية، لكنها كانت أعلى قيمة وأقل انتشارًا بين الفلاحين.
  • الإبل: مرتبطة بالقوافل والقبائل الرحل ونقل السلع لمسافات بعيدة.
  • النحل: مثبت بوجود رسم النحل، وكان مصدرًا للعسل والشمع.
  • الدجاج والطيور المنزلية: وجودها مرجح في بيوت القرية، وإن لم تكن عادةً تفصّل في سجلات الضرائب.

الحيوانات البرية

لا يقدم دفتر سنة 1536م إحصاءً للحيوانات البرية في عبطين. لكن البيئة السهبية المفتوحة كانت صالحة لوجود الغزلان والأرانب البرية والحجل والسمان، إلى جانب الثعالب والذئاب وبنات آوى وبعض الطيور الجارحة. وهذه قائمة بيئية محتملة للمنطقة وليست أسماء مثبتة في قيد عبطين نفسه.

الصورة العامة

يمكن تخيل عبطين في ربيع سنة 1536م قرية صغيرة من عشر أسر مسجلة ضريبيًا، تحيط بها حقول القمح الخضراء ومراعٍ تستعملها قطعان الغنم والماعز. وكانت السيول تجري بعد الأمطار في المنخفضات المتجهة نحو «مرج السيل»، وتنتشر بعض الآبار والعيون في الناحية. وفي الصيف تُحصد الحبوب وتُنقل إلى البيادر، ثم يتحول لون السهول إلى الأصفر، وتبقى الأشجار محدودة حول البيوت ومواضع الماء.

أما كثرة المزارع المسجلة خرابًا حول القرى، فتشير إلى أن الاستقرار الزراعي لم يكن متساويًا في جميع المنطقة: كانت هناك قرى مأهولة ثابتة مثل عبطين وعسان وبرنة، وبينها أراضٍ مهجورة أو موسمية يعاود أهل القرى المجاورة حراثتها عندما تتوافر الأمطار واليد العاملة والأمان.

المصدر الرئيس: دفتر حلب العثماني رقم TD 397 لسنة 943هـ/1536م، ولا سيما قيود ناحية المطخ في الصفحات 128–136 من النسخة المنشورة.

Laisser un commentaire