نهر قويق او نهر حلب

نهر قويق او نهر حلب  وصلته بريف حلب الجنوبي  وبقنسرين

يُعد نهر قويق، أو نهر حلب، أحد أهم العناصر الطبيعية التي أسهمت في تشكيل جغرافية حلب وريفها منذ العصور القديمة. فقد ارتبطت به المدينة وبساتينها وقراها الجنوبية، وكان مجراه يشكل محورًا طبيعيًا يمتد من شمال حلب إلى سهول قنسرين، الأمر الذي يمنحه أهمية خاصة عند دراسة التاريخ الجغرافي لمنطقة عبطين وما حولها.

وتذكر المصادر التاريخية التي جمعها كامل الغزي في نهر الذهب في تاريخ حلب أن منابع قويق تقع في الجهات الواقعة شمال حلب ونحو عينتاب، وأن مياهه كانت تتجمع من عدة عيون ومجارٍ قبل أن تتجه نحو دابق ثم حلب. وينقل الغزي عن ابن شداد وصفًا للنهر يفيد بأنه، بعد مروره بحلب، كانت ترفده عيون أخرى، منها العين المباركة، ثم يستمر جنوبًا «حتى يمر على قنسرين، ثم يغور في المطخ». كما نقل روايات قديمة تحدد المسافة بين حلب وقنسرين على امتداد هذا المحور بنحو اثني عشر ميلًا بحسب تقديرات تلك المصادر.

ويقدم الغزي وصفًا جغرافيًا أكثر تفصيلًا لمسار قويق في عصره، فيذكر أنه بعد تجاوزه الشيخ سعيد تصب فيه العين المباركة، وأن مياهه كانت تسقي بساتين الوضيحي، ثم يستمر النهر في اتجاه الجنوب. ويشير بصورة خاصة إلى خان طومان، حيث كانت مياه قويق تُستهلك في الصيف في سقاية الأراضي بسبب انخفاض منسوبه الموسمي. وهذه الإشارة ذات أهمية كبيرة لأنها تثبت تاريخيًا الدور الزراعي للنهر في السهل الواقع جنوب حلب.

وكان قويق نهرًا موسميًا متقلب الجريان؛ فقد وصفته المصادر بأنه يزداد في الشتاء والربيع ويضعف كثيرًا في الصيف، بل قد يتحول قرب حلب إلى ما يشبه الساقية الصغيرة. وفي سنوات الأمطار الغزيرة كان الوضع ينقلب تمامًا، فيطغى النهر على ضفتيه ويغمر مساحات واسعة، ويقتلع الأشجار ويضر بالمزروعات والمنشآت القائمة على مجراه.

وقد كان لمياه قويق أثر اقتصادي مباشر في حياة سكان المنطقة. فقد استُخدمت لسقي البساتين والأراضي الزراعية، وأقيمت على مجراه الأرحاء والنواعير، واستعملت وسائل مختلفة لرفع المياه ونقلها إلى الأراضي الأعلى، منها القنوات والدواليب التي تديرها الحيوانات والنواعير التي يحركها تيار الماء. وتكشف هذه التفاصيل أن النهر لم يكن مجرد مجرى مائي، وإنما كان شريانًا زراعيًا واقتصاديًا للمدينة وريفها.

وتزداد أهمية قويق بالنسبة لدراسة عبطين بسبب موقع القرية في المجال الجغرافي الواقع إلى الشرق من مجراه، وبين حلب وقنسرين. فالمسار التاريخي للنهر جنوب حلب يمر في نطاق الوضيحي وخان طومان، ثم يتابع جنوبًا في اتجاه منطقة العيس وقنسرين، قبل أن ينتهي في السهول المنخفضة التي عُرفت تاريخيًا باسم المطخ. ولذلك يمكن النظر إلى عبطين والقرى المجاورة لها باعتبارها جزءًا من المجال الزراعي والاستيطاني الأوسع المرتبط بحوض قويق، حتى وإن لم تكن القرية قائمة مباشرة على ضفته.

وهنا ينبغي التمييز بين ما تثبته المصادر التاريخية وبين القراءة الجغرافية المحلية الحديثة. فكتاب نهر الذهب يثبت بوضوح الصلة بين قويق وحلب والوضيحي وخان طومان وقنسرين والمطخ، أما تحديد مساره الدقيق بالنسبة إلى عبطين والعيس والحاضر فيحتاج إلى مطابقته على الخرائط الطبوغرافية الحديثة والصور الجوية القديمة، لأن مجاري الأنهار الصغيرة يمكن أن تتغير، كما أن استعمال المياه للري أدى عبر الزمن إلى تعديل أجزاء من المجرى.

ومن اللافت كذلك أن مشكلة نقص مياه قويق ليست حديثة؛ فقد شهدت حلب منذ العصور الوسطى محاولات متكررة لزيادة مياهه عن طريق جر مياه نهر الساجور إليه. ويذكر الغزي محاولات بدأت في القرن الثامن الهجري، ثم مشروع الأمير أرغون الذي أوصل مياه الساجور إلى قويق سنة 731هـ، قبل أن تتضرر المنشآت لاحقًا وتنقطع المياه، ثم تتكرر محاولات إحياء المشروع في عصور مختلفة.

وهكذا يظهر نهر قويق في تاريخ المنطقة بوصفه أكثر من «نهر حلب»؛ فهو محور جغرافي وتاريخي ربط حلب بريفها الجنوبي وصولًا إلى قنسرين، وأسهم في تحديد مناطق الزراعة والاستقرار والطرق عبر هذا السهل. ومن هنا تبرز أهميته في دراسة عبطين، إذ يساعد فهم مجراه القديم وتغيراته على تفسير البيئة التي نشأت فيها التجمعات البشرية والطرق والمواقع الأثرية المنتشرة بين حلب وخان طومان والعيس وقنسرين.

نهر قويق او نهر حلب

مقتبس من كتاب نهر الهب في تاريخ حلب

قال ابن خطيب الناصرية ما ملخصه: إن نهر حلب اسمه قويق، وكان يجري في الشتاء والربيع وينقطع في الصيف، ومنبعه من بلاد عينتاب ، وغوره في المطخ حتى ساق إليه الساجور الأمير أرغون نائب حلب فدام جريانه. وإذا جاء قبليّ حلب تمده العين المباركة فيغور الجميع بالمطخ. وعن ابن شداد أن «قويق» تصغير قاق. وأنه شاهد لهذا النهر مخرجين بينهما وبين حلب أربعة وعشرون ميلا ، أحدهما في قرية الحسينية بالقرب من عزاز ، يجري ماؤها بين جبلين ، حتى يقع في الوطاة قبلي الجبل الممتد من بلد عزاز شرقا وغربا ، والآخر عيون من عينتاب وبعض قراها ، تجري إلى نهر خارج من فم فج عينتاب ، فيقع

(١) كذا ـ والصواب : «ثماني عشرة» أو «ثمان عشرة».

(٢) كذا ـ والصواب : «بضعة».

في الوطاة المذكورة ، ويجتمع النهران ويصيران نهرا واحدا يجري إلى دابق ويمر بحلب وقبل وصوله إليها يمدّه عدة عيون فيعظم وتدور به الأرحاء ، وأولها بقرية مالد شمالي حلب. وبعد أن يجتاز بحلب تمدّه أيضا عيون أخرى منها العين المباركة ، فيزيد بها ويسقي مواضع كثيرة في طريقه حتى يمر على قنسرين ، ثم يغور في المطخ ، ويخرج من بحيرة أفامية. ودليل ذلك احمرار ماء هذه البحيرة إذا احمر قويق في الشتاء لطغيانه. قلت : هذا من ابن شداد وهم غير معقول ، ودليل ليس بمقبول. قال : والمسافة بين مفيضه وأفامية نحو أربعة عشر ميلا. قال ياقوت في معجم البلدان اسم نهر قويق الذي بحلب مقابل جبل الجوشن «العوجان» بالتحريك. وأنشد لابن أبي الخرجين شعرا : (١) وعن بعضهم أن مخرج هذا النهر اسمه قويق. وأهل الخلاعة تكنيه أبا الحسن. وذكر بعضهم أن مخرج هذا النهر من قرية تسمى سيناب (٢) على سبعة أميال من دابق، يمر إلى حلب بثمانية عشر ميلا ، ثم إلى قنّسرين اثني عشر ميلا ، ثم إلى المرج الأحمر المعروف بتل السلطان ألب أرسلان السلجوقي خيم به مدة فنسب إليه. ثم قال : جاء عن بعض المفسرين في قوله تعالى : (إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ) كان ذلك على نهر حلب ويقال له قويق.

قال ابن الشحنة : ورأيت لهذا النهر منبعا في قرية يقال لها ارقيق بين حلب وعينتاب.

ثم قال : قال ابن شداد ومن أحسن ما مدح به نهر حلب قول أبي بكر أحمد بن محمد الصنوبري الحلبي ، وهو : ومنها :

(١) انظر ص ٤٦ والخلوق : نوع من الطيب.

(٢) كذا. والذي في معجم البلدان : «سبتات» ثم قال ياقوت : «وسألت عنها بحلب فقالوا : لا نعرف هذا الاسم». وروي في شعر الصنوبري «». وله فيه أيضا :

قال ابن الشحنة : يريد أن أصحاب الأمزجة الصفراوية تنتحل أجسامهم في الصيف ويوافقهم الشتاء وأن قويقا يقل ماؤه في الصيف حتى يصير حول المدينة كالساقية.

قال : وقد فهمت من هذا أمرا بديعا وراء ما ذكره ابن شداد ، وهو أن قويقا تصغير قاق الطائر المعروف ، وهو يخالف طبعه الحرّ ، فيكون في غاية الضعف صيفا وفي غاية النشاط شتاء. ثم قال : عن ابن شداد عن أبي النصر محمد بن إبراهيم الخضر الحلبي (٤) :

(١) في الأصل : «وأوراق» سهو من المؤلف ، وهي قافية البيت الذي قبله في القصيدة. والتصويب من ابن الشحنة والديوان.

(٢) في الأصل : «يصف» والتصويب من ابن الشحنة والديوان.

(٣) في الأصل : «قندود» تحريف. والقنديد : عسل قصب السكر إذا جمد.

(٤) أبو نصر الحلبي : هو محمد بن محمد بن إبراهيم بن الخضر ، توفي سنة ٦٥٥ ه‍.

وقد وصفه كثير من الشعراء وفي هذا القدر كفاية. والذي أراه أن هذا النهر من جملة الأنهار الطبيعية قديم جدا لا يعرف من جرّه من أصله ، خلافا لمن زعم أن الذي جرّه هو الشيخ قويق المدفون بالتربة جنوبي حمام اللبابيدية وهذه التربة لا نعلم أحدا دفن بها غير أرغون نائب حلب ، الذي ساق إلى نهرها الساجور كما تقدم وكما تعرفه بعد. ولعل «قويق» أضيف إليه أرغون لمزيد عنايته به فقيل عنه شيخ قويق فحرفته العامة إلى الشيخ قويق. وعندي أن لفظة قويق تحريف قواق لا تصغير قاق ، وهي أي قواق يجوز أن تكون من الكلمات التي يستعملها الآن عرب البادية مما لم تحط به معاجم اللغة. وذلك أن عرب البادية يسمون مجرى ماء المطر في المطر «قواق» يلفظون قافها كافا مفخمة. ولما كان نهر حلب معظم مائه من المطر سمي بهذا الاسم ، فهو على هذا التقدير لفظ عربي. ويجوز أن تكون هذه الكلمة وهي قواق لفظة تستعمل الآن بالتركية بمعنى الحور ، وهو الشجر المعروف وذلك أن هذا النهر كان ولم يزل يزرع على شطوطه في مبدئه من بلاد عينتاب شجر الحور فينمو وينجب ويباع منه مقادير عظيمة. فعرف النهر به لكثرة زرعه عليه. والذي يؤيد هذا أن إطلاق هذه اللفظة على هذا النهر لم يكن إلا في أيام دولة بني طولون إذ أنهم أول قوم من الأتراك حكموا حلب بعد فتحها. ويؤيد ذلك أن هذا الاسم للنهر المذكور لم نره في شيء من النظم والنثر أقدم من كلام الشاعر البحتري الذي استغرقت حياته جميع أيام الدولة المذكورة. كان هذا النهر يسمى قديما شالوس. وقال دارفيو إن هذا النهر يقال له سيغا أو سيكويم وإنه كان يسمى قديما بيلوس. وسماه كزانفون اليوناني

(١) الدر المنتخب ١٣٧ وروايته : «مصندلا يلثم … لمخضرّ عذاريه».

خالس. قال : وهو نهر صغير فيه أنواع من السمك والسوريون يحسبونه إلهة ولا يسمحون لأحد أن يصيده وكذلك الحمام كانوا يعبدونه ولا يرضون على من يؤذيه. اه.

قلت : المعروف عندنا الآن أن مبدأ هذا النهر من عينتاب. وبعد أن يتصرف أهل عينتاب بمائه كما شاؤوا تجري منه بقية إلى حلب فتمر على قريتي ساسغين وجاغدغين في قضاء عينتاب فتمده عيونهما فيعظم. وعند وصوله إلى قرية حيلان على بعد ثلاث ساعات من حلب يدخل نحو ثلثه في معبر إلى قناة حلب ، والثلثان يجريان لسقاية البساتين في حافتيه. ثم في قرب حلب تمده العين البيضاء وعين التل. وبعد أن يجاوز قرية الشيخ سعيد بنحو ساعتين تنصب إليه العين المباركة ويسقي بساتين قرية الوضيحي ، وقرية الحاضر ، ثم لا يزال يجري حتى يغور في أجمة المطخ. وفي الصيف يفنى ماؤه في سقاية الأراضي بقرية خان طومان لقلة مائه حينئذ. ولو اعتنت الحكومة به صيفا ومنعت القرى المجاورة له قبل حلب من سقي أراضيهم منه لقام بكفاية حلب وبساتينها أتم قيام بدون مضايقة ولا تقسيط ، فإن أصحاب البساتين كثيرا ما يقسطون ماءه صيفا ، فيأخذه الشماليون أسبوعا والقبليون أسبوعا. ورأيت في سجلات المحكمة الشرعية بحلب إعلاما تاريخه ١١٥٩ يتضمن منع أهل قرية ساسغين وجاغدين من أخذ ماء تلك العيون لسقي أراضيهم. وقد اعتادت الحكومة أو دائرة البلدية أن تجمع في كل سنة من مستحقي مائه مالا تسميه مال النهر ، تصرفه على تصليح حوافيه وكري (١) الوحول الراسبة فيه. ولهذا النهر في بعض السنين طغيان عظيم من كثرة الأمطار فينبسط ماؤه إلى مسافة ميل من جانبيه ويحطم ما عليه من النواعير ، ويعطل بعض الأرحاء ، ويقلع كثيرا من الأشجار ، ويتلف الزروع الشتوية في البساتين ويهدم بيوتا كثيرة من محلة الوراقة على حافته الغربية. لكن هذا الطغيان لا يدوم فوق عشرين يوما ثم يأخذ بالتناقص حتى يعود إلى حالته الأولى. وقد طغى في زمن سيف الدولة الحمداني حتى أحاط بداره على سفح جبل الجوشن وفي ذلك يقول أبو الطيب المتنبي (٢) : (١) الكري : الحفر. والمراد هنا الجرف أو تفريغ المجرى.

(٢) العرف الطيب في شرح ديوان أبي الطيب ، لليازجي ص ٣٨٢ ط. بيروت ١٣٠٥ ه‍ ، ١٨٨٧ م. إلى أن قال في سيف الدولة :

وقد طغى هذا النهر الصغير على الصليبيين وهم يحاصرون حلب فأغرق خيامهم وشتت شملهم ، وتمكن آق سنقر من حلب بعد طغيانه بيوم واحد. أما الحيوانات المائية في هذا النهر فهي نوع من السمك يعرف عندنا بالإنكليزي ، لذيذ جدا وهو يشبه سمك الحيات المعروف باسم ما رماه. وزعم بعض مؤرخي الفرنج أن الملكة هيلانة هي التي جلبت جرثومة (١) هذا السمك من جهات رومة إلى برك الخليل قرب قرية هيلانة المذكورة. والله أعلم. ومما يوجد في هذا النهر أيضا سمك صغير الحجم جدا يعرف بالقبوضي ، وسمك كبار مفلس يشبه الفراتي أي سمك نهر الفرات ، يسمونه البنّي ، وأهل حلب يحبون هذا النوع من السمك ويقولون فيه من أمثالهم : (إن شفت أطيب منّي لا تأكلني). ويوجد في هذا النهر أيضا كثير من الحيات المائية والسرطانات والسلاحف حتى إن بعض الناس يدعونه بنهر السلاحف.

قال ابن الشحنة : عاف قوم ماء قويق لكثرة السلاحف فيه. ولهذا اشتهر منه المكان المعروف (٢) بجسر السلاحف. وغاب عنهم أن في وجودها نفعا كبيرا فإن دم السلحفاة ينفع المصروع وكذا مرارتها والتلطخ بدمها ينفع من وجع المفاصل. انتهى.

ومما يكثر فيه أيضا الضفادع التي تصدع بنقيقها من كان قريبا منها ، خصوصا إذا قل ماؤه ، وتكتبت كتائب في غدرانه المترقرقة فإنها يزداد نقيقها ولا تكاد تسكت. وإلى ذلك أشار بعضهم بقوله (٣) :

(١) الجرثومة : الأصل.

(٢) في الدر المنتخب لابن الشحنة ١٣٩ : «المخصوص» بدل «المعروف».

(٣) الأبيات للصنوبري في الديوان ٤٥١ والدر المنتخب ١٣٩.

والاستقاء من هذا النهر في زماننا على ثلاثة أنحاء :

الأول : خليج يعرف بالعدّان ، يؤخذ منه ويجرّ عن مأخذه مسافة حتى تنخفض له الأرض ويتمكن من سقايتها.

الثاني : الدولاب المعروف بالغرّاف ، يدور بالبقر والبغال والبراذين ، وهذا أعم الوسائط.

والثالث : النواعير تدور بنفسها على الماء ، وهي أقل الوسائط إذ لا يوجد عليه أكثر من خمس نواعير.

وفي سنة ثلاثة وثلاثمائة وألف أحضرت البلدية من بعض معامل أوروبا مضخة يديرها محرك في قوة ستة حصن ، يتحرك بالبخار ، نصبتها على النهر في بستان إبراهيم آغا أمام الكتاب ، وسلطت ماءها إلى جنينة الناقوس قرب العبارة الجارية في أملاك البلدية ، فلم تنجح هذه الآلة لكثرة نفقتها وقلة مائها. هذا وإن الانتفاع بماء هذا النهر شربا وغسلا لا يزال ممكنا حتى يصل إلى الدبّاغة جنوبي جسر باب أنطاكية على غلوة (٢) منه وهناك يفسد ماؤه فيحمر لونه من الأصبغة وينتن ريحه ويتغير طعمه من روث الجلود التي تغسل فيه.

جر الساجور إلى قويق

في سنة ٧١٣ اجتهد بجر نهر الساجور إلى قويق الأمير سيف الدين سودون النّاصري نائب حلب ، فصغّر غدرانه وفتح له جدولا طوله أربعون ذراعا صرف عليه ثلاثماية ألف درهم أكثرها من ماله ، فاخترمته المنية قبل إتمامه سنة ٧١٤ ودفن بتربته خارج باب المقام.

(١) في الأصل : «بهاء ولطفا وحسنا وطيبا» وبه يضطرب الوزن ، والتصويب من الديوان.

(٢) الغلوة : مقدار رمية سهم. وتقدّر ب ٣٠٠ ذراع إلى ٤٠٠ «المعجم الوسيط».

ولما أتى إلى حلب الأمير سيف الدين أرغون دوادار الناصري سنة ٧٣٠ نائبا ، وبنى مدرسته وتربته التي هي عند باب الحديث تجاه حمام سوق الخيل المعروفة الآن بالشيخ قويق ، احتاج إلى ماء عذب يجري إلى مدرسته المذكورة فهندم قناة عظيمة تجري من الساجور وتصبّ في نهر قويق ، واستلم ماءها من عند قرية هيلانة من نهر قويق وحرفها إلى قناة حلب ، ثم أخذ منها مقدار كفاية مدرسته المذكورة. وقد حفر نهر الساجور ووسع مضيقه وجمع الناس على ذلك بحيث كمل العمل في قرب ستة أشهر بعد تعب زائد وإنفاق مال كثير. وكان وصول الماء إلى حلب سنة ٧٣١ وكان يوم وصوله مشهودا. خرج النائب والأمراء والأعيان لتلقّيه مشيا إلى ظاهر البلد بالتكبير والتهليل ، فرحين مسرورين. وفي ذلك يقول القاضي الفاضل شرف الدين الحسيني ابن الريان :

والمفهوم من هذا وما أجريته من الاستقصاء أن قناة حلب قبل أرغون هذا كانت تجري من ماء برك الخليل فقط وأن جريان ثلث نهر قويق إليها كان في أيام أرغون لا قبلها أخذه عوضا عن ماء الساجور الذي أجراه إلى قويق ثم انقطع الساجور وبقي جريان هذا الثلث مستمرا. على أن الساجور بعد أن ساقه أرغون على الصفة المتقدم ذكرها استمر يجري إلى نهر حلب حتى حدث بها زلزلة شديدة سنة ٩٤٠ فتهدمت الجسور التي بناها أرغون وأجرى الماء من فوقها وانقطع الماء. وكان أرغون قد وقف على هذه الجسور لتعميرها وترميمها وقفا عظيما ، لكن هذا الوقف قد تداولته أيدي الغصب ، وبقي الساجور منقطعا عن نهر حلب.

كان مكتوبا على إحدى عضادات الجامع الكبير ما صورته : لما كان بتاريخ رابع جمادى الآخرة سنة ٩٠١ ورد المرسوم الكريم العالي المولوي الملكي المخدومي الكافلي السيفي الأشرفي مولانا الملك الناصر كافل المملكة الحلبية بأن لا يسقى من ماء الساجور الواصل

إلى حلب زرع حاسين وفافين وملعون من يزرع على ماء الساجور زرعا.

قلت : قرية حاسين وفافين في شمالي حلب على بعد نصف مرحلة منها ، ونهر قويق يجري من فافين ، وقسم منه يجري إلى حاسين بواسطة قود طاحون فيها.

ومكتوبا على عضادة أخرى في الجامع الكبير ما صورته : لما كان بتاريخ سبعة وعشرين جمادى الآخرة سنة ٩٠٢ ورد المرسوم العالي المولوي المخدومي كافل المملكة الحلبية المحروسة الملك الناصر بإبطال ما كان يؤخذ من وقف نهر الساجور الواصل إلى حلب ، وملعون ابن ملعون من يأخذ على جباية الوقف المذكور بارة الفرد ، ويجدد هذه المظلمة أو يعين على إعادتها أو يأمر بإعادتها. انتهى.

قلت : ولم يزل الساجور منقطعا عن حلب إلى سنة ١٠٤٠ فاجتهد هذه السنة بجرّه مرة ثانية رجل من أغنياء الحلبيين يقال له نعسان آغا ووقفت عليه وقفا جيدا من خانات ودكاكين وأفران ودور وغير ذلك مما يقوم بوظيفة عمله إذا توهن ، فقال بعضهم يمدحه :

ولم يزل يجري الساجور إلى حلب حتى امتدت إلى أوقافه أيدي المتغلبين وأخذت جسوره بالخراب شيئا فشيئا حتى تعطلت عن آخرها ، وذلك في حدود سنة ١١٣٥ وبقي مقطوعا إلى سنة ١١٥٠ وفيها اهتمت الحكومة بإعادته فجمعت مالا عظيما من الحلبيين وصرفته على تصليح مجراه القديم فعاد يجري إلى نهر قويق مقدار ربعه في الزمن السابق ولم يلبث غير سنيّات حتى تعطلت مجاريه وانقطع بالكلية كأن لم يكن.

وفي سنة ١٢٨٧ قل الماء في حلب. ويبست المشاجر فاهتمت الحكومة بجر الساجور إلى حلب وجمعت من الناس نحو مائتي ألف وأحد عشر ألف قرش ، وعملت له مجرى غير مجراه القديم حتى استقام العمل على زعم بعض المهندسين. وفي يوم جرّه إلى قويق خرج الناس إلى الملتقى بالطبول والزمور ووقفوا هناك ينتظرون مجيء الماء إلى أن حان المساء فجاءهم مخبر يقول لهم إن العمل لم يكمل بعد فرجعوا بالخيبة. ثم شاع أن نهر الساجور

لا يمكن جرّ مائه إلى قويق لانخفاض مجراه عن نهر حلب كذا أذرع (١). فيئس الناس من مجيئه بعد طول أملهم به

Laisser un commentaire