الوجود العربي في بلاد الشام والمشرق قبل الفتوحات الإسلامية
(السكان والسلطة والدين بين بيزنطة والدولة الساسانية)





النقوش المؤرخة والآثار المرتبطة بالعرب قبل الإسلام، لأنها تقدم شواهد أوضح.
| الصورة | أهميتها للمقال | تعليق مقترح تحت الصورة |
| نقش النمارة | شاهد مباشر على العربية وذكر العرب قبل الإسلام، من جنوب سورية؛ محفوظ في اللوفر. | «نقش النمارة، المؤرخ عادة بسنة ٣٢٨م، شاهد قبر امرئ القيس بن عمرو، المكتوب بالعربية بالخط النبطي، ويصفه بملك العرب». |
| نقش زَبَد | مهم خصوصًا لمقالك عن شمال سورية؛ يجمع العربية واليونانية والسريانية. | «الجزء العربي من نقش زبد الثلاثي اللغة، سنة ٥١٢م، شاهد على حضور الكتابة العربية في شمال سورية قبل الفتح الإسلامي». |
| نقش فِهر من أم الجمال | يذكر جذيمة ملك تنوخ، ويربط الوجود العربي بتاريخ المنطقة قبل الإسلام بقرون. | «نقش من أم الجمال، نحو منتصف القرن الثالث الميلادي، يذكر فهر وجذيمة ملك تنوخ؛ شاهد على الصلات العربية في حوران وشمال الأردن». |
| أسد اللات في تدمر | يناسب فقرة الديانات القديمة وعبادة اللات. | «أسد اللات من معبدها في تدمر، من مطلع القرن الأول الميلادي؛ شاهد على حضور عبادتها في البيئة التدمرية المتعددة التقاليد». |
توثيق هذه الاختيارات متاح في سجل اللوفر، وصفحة نقش زبد، ومشروع أم الجمال الأثري، والمتحف الافتراضي. وأسد اللات شاهد ديني في تدمر. Louvre site des collections
مقدمة
لم تكن الفتوحات الإسلامية بداية وجود العرب في بلاد الشام وفلسطين والعراق والجزيرة الفراتية. فعندما تقدمت الجيوش الإسلامية في ثلاثينيات القرن السابع الميلادي، كانت تدخل أقاليم عرفت جماعات عربية منذ قرون؛ منها سكان المدن والقرى، ومنها القبائل المتنقلة، ومنها الملوك والزعماء العسكريون والتجار والمزارعون.
لكن هذا الوجود لم يكن متجانسًا سياسيًا أو دينيًا. فقد تحالف عرب مع الدولة البيزنطية، وتحالف آخرون مع الدولة الساسانية، بينما حافظت جماعات على استقلال عملي متفاوت. وكان بينهم مسيحيون وأتباع للعبادات الوثنية التقليدية ( اللات, العزى, مناة,ذو الشرى, رُضى أو رُضو — معبود معروف في نقوش البادية, معبودات تدمر الأخرى )، ، ثم مسلمون اسلموا في بداية انتشار الإسلام في السنوات السابقة للفتوحات الكبرى.
وكانت هذه المجتمعات تعيش إلى جانب جماعات ناطقة بالآرامية والسريانية واليونانية،
يركز هذا المقال على الفترة الممتدة تقريبًا من سنة 500 إلى سنة 630م، مع العودة إلى شواهد أقدم تفسّر جذور هذا الوجود.
أولًا كيف نقرأ المصادر ونميّز بين الهوية والسيادة؟
تأتي معرفتنا بهذا الموضوع من ثلاثة أنواع رئيسية من الأدلة:
- النقوش المعاصرة، التي تثبت استعمال اسم أو لغة أو لقب في موضع وزمن محددين.
- المصادر اليونانية والسريانية وغيرها، التي تصف الحرب والدين والقبائل من وجهة نظر مؤلفيها.
- المصادر العربية الإسلامية، التي حفظت أخبار الحواضر والقبائل والصلح، ولكن صيغها الباقية دُوّنت غالبًا بعد الأحداث بأجيال.
ويُضاف إليها علم الآثار، الذي يساعد على معرفة الاستيطان والاقتصاد والعمارة، لكنه لا يحدد اسم القبيلة اعتمادًا على الفخار وحده.
ويجب التمييز بين أربعة أمور:
| المفهوم | ما الذي يعنيه؟ |
| وجود عربي | إقامة جماعات عربية أو حركتها ضمن الإقليم |
| حكم عربي محلي | سلطة ملك أو زعيم عربي على مدينة أو جماعات |
| تبعية إمبراطورية | ارتباط سياسي أو عسكري أو مالي بالروم أو بالساسانيين |
| انتشار العربية | استعمال اللغة، بدرجات قد تختلف عن الأصل العائلي والولاء السياسي |
قد تجتمع هذه الظواهر، لكنها ليست شيئًا واحدًا.
وفي النصوص الآتية، أميّز الاقتباس العربي القديم من الترجمة العربية التي أعددتها عن ترجمة منشورة لمصدر يوناني. أما النقوش، فتُعرض مقتطفاتها بقراءة ميسرة مع التنبيه إلى المواضع المختلف فيها.
ثانيًا جذور الوجود العربي قبل القرن السادس
الأنباط في جنوب الشام وشمال الجزيرة
يشكل الأنباط أحد أوضح الأمثلة على وجود جماعات عربية صاحبة مدن ومملكة وشبكات تجارية قبل الإسلام بقرون.
يقول المؤرخ ديودور الصقلي، في وصف أجزاء من بلاد العرب، بترجمة عربية عن النص المنشور:
«يسكن الأجزاء الشرقية عرب يُعرفون باسم الأنباط».
هذا نص مباشر يصنف الأنباط ضمن العرب عند مؤلف قديم. لكنه يصف مرحلة أقدم بكثير من زمن الفتوحات، فلا يجوز استخدامه وحده لرسم توزيع السكان في القرن السادس.
المصدر: ديودور، المكتبة التاريخية، 2.48.1. Book II Chapters 35‑60
ويصف سترابون البتراء بأنها عاصمة الأنباط، ويعرض وجود ملك وإدارة وتجار وأجانب مقيمين فيها. وهذه الصورة مهمة لأنها تبين أن العرب لم يكونوا جميعًا جماعات رعوية؛ فقد وجدت بينهم مجتمعات مدينية ذات تنظيم سياسي واقتصادي.
المصدر: سترابون، الجغرافيا، 16.4.21. Book XVI Chapter 4
وقد ضُمت المملكة النبطية إلى الدولة الرومانية سنة 106م. غير أن تغيير السيادة لم يكن يعني اختفاء السكان أو عاداتهم ولغاتهم مباشرة، بل دخولهم تدريجيًا في تنظيم سياسي وإداري جديد.
الحضر وتدمر والرها
حملت بعض نقوش الحضر في شمال العراق لقب «ملك العرب» باللغة الآرامية. وهذا يكشف أن استعمال لغة كتابية آرامية لم يكن ينفي وجود هوية عربية لدى بعض الحكام أو السكان.
لكن الحضر سقطت بيد الساسانيين نحو 240–241م، وانتهى المشروع السياسي التدمري في القرن الثالث. ولذلك ينبغي عرضهما بوصفهما شاهدين أقدم على الوجود العربي، لا مملكتين مستقلتين قائمتين عشية الفتح الإسلامي. Encyclopaedia Iranica
أما الرها، أي أورفة الحالية، فقد عرفت الأسرة الأبجرية ذات الصلات العربية في مرحلة مبكرة، ثم دخلت في التنظيم الروماني. وفي القرن السادس كانت مدينة مسيحية ذات ثقافة سريانية بارزة، وليست استمرارًا بسيطًا لمملكة عربية مستقلة قديمة. Encyclopaedia Iranica
ثالثًا شمال الشام وحلب وقنسرين قبل الفتح
كان شمال الشام منطقة اتصال بين المتوسط والفرات والأناضول وسورية الداخلية. واجتمعت فيه المدن والقرى الزراعية والأديرة ومجالات الرعي والتجارة.
ومن أقوى النصوص العربية المباشرة خبر البلاذري عن حاضر قنسرين:
«وكان حاضر قنسرين لتنوخ مذ أول ما تنخوا بالشام».
ثم يشرح أنهم نزلوا أولًا في خيام، وبعد ذلك بنوا المنازل، وأن بعضهم أسلم عند وصول المسلمين، بينما بقي آخرون على المسيحية.
المصدر: البلاذري، فتوح البلدان، طبعة دار ومكتبة الهلال، 1988، ص143. صفحة 143
وتظهر أهمية هذا الخبر في ثلاثة أمور:
- أن الوجود العربي قرب قنسرين سبق وصول الجيوش الإسلامية.
- أنه شمل الانتقال إلى الاستقرار وبناء المنازل.
- أن العروبة والمسيحية كانتا تجتمعان لدى بعض السكان.
ويذكر ابن العديم أن حاضر حلب كان:
«يجمع أصنافًا من العرب من تنوخ وغيرهم».
المصدر: ابن العديم، زبدة الحلب في تاريخ حلب، طبعة 1996، ص12 في العرض الرقمي. www.islamarchive.cc
وهنا يجب التمييز بين مدينة حلب وحاضر حلب، وبين قنسرين وحاضرها. فالحاضر تجمع مرتبط بالمدينة أو مجاور لها، وليس بالضرورة مرادفًا لها.
كما أن ابن العديم مؤلف متأخر؛ فإذا نقل رواية أقدم، فإن تكرارها عنده لا يجعلها تلقائيًا شهادة مستقلة ثانية.
وترد طيء كذلك في أخبار الحواضر، لكن تحديد العلاقة بين حاضر طيء وحاضر قنسرين وحاضر حلب يحتاج إلى مقابلة الروايات، بدل دمجها جميعًا اعتمادًا على تشابه الأسماء.
أما الآثار المكتشفة في الحاضر، فتحتاج إلى قراءة طبقية دقيقة. فلا يجوز وصف كل منزل مكتشف بأنه منزل تنوخي من القرن السادس؛ إذ تضم المواد المدروسة شواهد من بدايات العصر الإسلامي، ويُؤرَّخ كل سياق بحسب مادته الأثرية. mom.fr
وبالنسبة لعبطين: يثبت ذلك وجودًا عربيًا سابقًا للفتح في مجال حلب وقنسرين، لكنه لا يثبت وحده اسم عبطين في ذلك العصر أو انتساب سكان موقعها إلى قبيلة معينة.
رابعًا كلب وكلاب والتمييز الزمني
ينبغي الفصل بين كلب القضاعية وكلاب العامرية.
ارتبطت كلب ببادية الشام والسماوة ومجالات واسعة من الحركة والاستقرار. أما تعيين فروعها قرب حلب في تاريخ محدد قبل الفتح، فيحتاج إلى نصوص مؤرخة، ولا يكفي نقل توزيعها في العصور الإسلامية إلى القرن السادس.
وأما كلاب، التي ارتبطت لاحقًا بحلب وريفها وبرز منها المرداسيون، فإن قوة حضورها السياسي في شمال الشام تعاظمت خلال العصور الإسلامية، وخاصة مع تحركات القرن العاشر.
لذلك فإن وضع مجال نفوذ كلاب المعروف حول حلب على خريطة 500–630م يخلط بين مرحلتين مختلفتين. وهذا لا يقلل من أهمية تاريخها الحلبي، بل يضعه في زمنه الصحيح. erenow.org
خامسًا فلسطين والأردن وحوران
كان الوجود العربي في فلسطين وجنوب الشام متنوع الجذور:
- تراث نبطي في جنوب الأردن والنقب.
- جماعات مرتبطة بالطرق والأسواق والتخوم الصحراوية.
- زعامات عربية مسيحية دخلت في نظام التحالف البيزنطي.
- قبائل وفروع تتداخل مجالاتها بين فلسطين وشرقي الأردن وشمال الحجاز.
وترد لخم وجذام وعاملة في دراسات عرب فلسطين ومحيطها، لكن توزيعها التفصيلي يحتاج إلى تمييز ما قبل الفتح من استقرار الأجناد والعصور اللاحقة.
وتظهر جذام في أخبار حسمى وتخوم جنوب شرقي الشام في السنوات السابقة للفتوحات الكبرى، مع علاقات متغيرة شملت المواجهة والتفاوض. ولا يجوز أن نستنتج من ذلك أن جميع سكان القدس أو غزة أو المدن الساحلية كانوا من قبيلة واحدة.
يُراجع: موشيه جيل، تاريخ فلسطين، الفقرات التمهيدية 31–33. pal.k0de.org
ويقدم بروكوبيوس شاهدًا معاصرًا مهمًا على أبي كرب، الذي يرد اسمه بصيغة Abochorabus. فهو يذكر صلته بجستنيان وتعيينه على العرب في فلسطين.
والأهم أنه يميز بين قبول الإمبراطور تبعية اسمية لأرض وبين قدرته الواقعية على امتلاكها وإدارتها. وهذه ملاحظة تكشف أن النفوذ البيزنطي لم يكن في جميع البوادي مشابهًا للحكم المباشر داخل المدن والولايات.
المصدر: بروكوبيوس، الحروب الفارسية، 1.19.8–14. Procopius, Persian Wars I.19‑20
أما حوران والبلقاء والجابية ومحيط دمشق، فكانت من المجالات المهمة لنشاط الجفنيين وحلفائهم. غير أن النفوذ الغساني لا يعني قيام دولة مستقلة متجانسة تشمل كامل فلسطين والشام.
سادسًا الجزيرة الفراتية وجنوب شرقي تركيا الحالية
الرها وحران ونصيبين وآمد وماردين تقع ضمن فضاء تاريخي تقطعه اليوم حدود سورية وتركيا والعراق. وكان هذا الفضاء متعدد اللغات والجماعات، فلا يمكن تفسير تاريخه بالحدود القومية المعاصرة.
ويُعد اسم أربايستان، وما يقابله في الاستعمال السرياني بيت عربايا، شاهدًا على أهمية العرب في تسمية جزء من شمال بلاد الرافدين.
لكن اسم الإقليم لا يدل على تجانس سكانه؛ فقد ضم عربًا وآراميين ويهودًا وأرمنًا وإيرانيين. وكانت نصيبين قد انتقلت إلى الحكم الساساني سنة 363م، بينما بقيت مدن أخرى في المجال الروماني فترات طويلة، وتغيرت السيطرة مع الحروب. Encyclopaedia Iranica
وعرفت الجزيرة تغلب وبكر بن وائل وجماعات أخرى. إلا أن وجود القبيلة في الإقليم لا يحدد ولاءها في كل مرحلة، ولا يثبت سيادتها على كل المدن المجاورة.
ولهذا ينبغي أن تميّز الخريطة بين:
- مواضع الاستقرار.
- مجالات الرعي والحركة.
- امتداد التحالف السياسي.
- مسار حملة عسكرية عابرة.
والنتيجة: يوجد أساس تاريخي للحديث عن حضور عربي في أجزاء من جنوب شرقي تركيا الحالية، لكنه لا يبرر تعميم ذلك على الأناضول كله.
سابعًا الحيرة والعراق الأوسط
كانت الحيرة مركزًا عربيًا بارزًا عند تخوم السهل الزراعي العراقي والبادية، وقاعدة للأسرة اللخمية التي حكمت قرونًا حتى نحو سنة 602م.
وقد احتفظ اللخميون ببلاط وملك محلي وعلاقات قبلية وقوات عسكرية، مع تبعية وتحالف للدولة الساسانية. فلا يصح اعتبار الحيرة في جميع مراحلها ولاية فارسية عادية، كما لا يصح جعلها دولة مستقلة بالكامل عن المدائن. Encyclopaedia Iranica
واجتمعت فيها الثقافة العربية والكتابة السريانية والحياة المسيحية والتأثيرات الفارسية. وكان المسيحيون المعروفون في الأخبار باسم العباد جزءًا من مجتمعها.
ولم تكن ديانة الأسرة الحاكمة ثابتة؛ فقد بقي عدد من ملوكها على العبادات العربية التقليدية، بينما اعتنق النعمان الثالث المسيحية في أواخر تاريخها.
وتذكر الدراسات وجود تنوخ وكندة وطيء وشيبان حول الحيرة قبل الفتح، بما يؤكد أن العراق لم يكن مجتمعًا فارسيًا خالصًا يواجه عربًا لم يوجدوا فيه من قبل. Encyclopaedia Iranica
وقد أضعف إنهاء الحكم اللخمي إحدى حلقات الوساطة بين الساسانيين والقبائل. لكن اعتباره السبب الوحيد في سقوط الدولة لاحقًا تبسيط؛ فقد تداخل مع الحرب الطويلة والصراع على السلطة والموارد.
ثامنًا جنوب العراق والأُبُلّة وميسان والبصرة
مدينة البصرة إسلامية التأسيس، لكن الوجود العربي في منطقتها أقدم منها.
كانت الأُبُلّة ميناءً سابقًا للفتح، متصلًا ببيئة ميسان وشبكات التجارة عند رأس الخليج. ثم قامت البصرة بالقرب منه وأصبحت مركزًا عسكريًا وإداريًا مهمًا.
وتذكر الدراسات عجلًا وتميمًا وعبد القيس قرب الأُبُلّة، كما تشير إلى وجود جماعات من بكر بن وائل وتميم في خوزستان وفارس قبل وصول الجيوش الإسلامية. www.iranicaonline.org
وهنا تظهر ضرورة الفصل بين:
- تاريخ إنشاء المدينة.
- تاريخ استيطان الإقليم.
- أصل سكانه.
- الدولة التي تسيطر عليه.
فوجود حامية ساسانية في ميناء لا يعني أن جميع سكانه فرس، كما أن وجود عرب فيه لا يعني أنه كان تحت سيادة عربية مستقلة.
وكان جنوب العراق مجالًا لتفاعل العربية والآرامية والتقاليد الإيرانية، مع صلات بحرية وتجارية لا تقل أهمية عن صلاته بالبادية.
تاسعًا شمال الجزيرة العربية وشرقها
شكلت دومة الجندل وتيماء وتبوك والحِجر وواحات شمال الحجاز وأجأ وسلمى شبكة تصل الجزيرة بالشام والعراق.
وكانت طيء وكلب وجذام وغيرها تتحرك ضمن مجالات تتصل بالماء والمرعى والأسواق والطرق، لا بحدود هندسية ثابتة.
ولم تكن المنطقة كلها خاضعة مباشرة لبيزنطة أو للساسانيين. فقد تراوحت العلاقة بين:
- اعتراف بزعيم محلي.
- أداء جزية أو هدايا.
- خدمة عسكرية.
- حماية طريق.
- تبادل تجاري ودبلوماسي.
- استقلال عملي واسع.
وفي شرق الجزيرة، كانت البحرين التاريخية اسمًا لمجال أوسع من دولة البحرين الحالية، وارتبطت به عبد القيس وتميم وبكر بن وائل وغيرها، مع حضور سياسي وتجاري ساساني متفاوت.
وتشير الدراسات الأثرية إلى تحولات اقتصادية واستيطانية قبيل الإسلام، فلا يصح تصوير المنطقة في حالة ازدهار متصل أو انهيار شامل واحد. Encyclopaedia Iranica
عاشرًا : ماذا كانت تعني التبعية للروم أو للفرس؟
كان أهل الدولة البيزنطية يسمّون أنفسهم الرومان، أما «البيزنطيون» فهو اصطلاح حديث في الكتابة التاريخية.
وقد امتلكت الدولة جهازًا إداريًا وماليًا وعسكريًا داخل الولايات، لكنها اعتمدت كذلك على زعماء عرب في التخوم. ولذلك لا تتساوى علاقة فلاح يقيم في ولاية ويؤدي ضرائبها بعلاقة زعيم يحصل على مال ولقب مقابل حماية الطريق أو تقديم المقاتلين.
وفي الجانب الساساني وجدت أيضًا ولايات وحاميات وموظفون وأعيان، إلى جانب ملوك عرب حلفاء أو تابعين.
ويشرح بروكوبيوس وضع العرب الحلفاء في المعاهدات بقوله، في ترجمة عربية مختصرة:
«كانوا يُدرجون تحت اسمي الفرس والروم».
المصدر: الحروب الفارسية، 2.1.5. Procopius, Persian Wars II.1‑4
فغياب الاسم العربي أحيانًا من المعاهدة لا يعني غياب العرب عن الواقع السياسي، بل يعني أن الإمبراطوريتين مثلتا حلفاءهما ضمن اسميهما.
وكانت التبعية قابلة للتفاوض والتغير؛ فقد يمنح الإمبراطور لقبًا، ويقدم الزعيم مقاتلين، لكنه يحتفظ بعلاقاته الداخلية ومصالحه الخاصة. ولم يكن جميع الحلفاء مجرد أدوات تنفذ الأوامر دون إرادة.
الحادي عشر: الغساسنة والمناذرة والصراع الإمبراطوري
برز الجفنيون، المعروفون في الكتابات العربية بالغساسنة، في المجال البيزنطي، في مقابل اللخميين في المجال الساساني.
احتاجت الإمبراطوريتان إلى قوى تعرف:
- طرق البادية ومصادر الماء.
- القبائل وتحالفاتها.
- أساليب الغارة والاستطلاع.
- حماية القوافل وملاحقة المهاجمين.
ويذكر بروكوبيوس أن جستنيان جمع تحت قيادة الحارث بن جبلة جماعات عربية، ويقول، بترجمة عربية قصيرة:
«ومنحه رتبة الملك».
المصدر: الحروب الفارسية، الكتاب الأول، الفصل 17. gutenberg.org
وهذا يثبت اعترافًا بقيادة عربية ذات وزن، لكنه لا يثبت سيادة غسانية مستقلة على كامل بلاد الشام.
وفي حملة سنة 531م يضع بروكوبيوس المنذر في الجانب الفارسي، والحارث في الجانب الروماني، ويذكر قنسرين ضمن مسرح الحركة العسكرية.
وهذا مهم لتاريخ شمال الشام: كانت قنسرين ضمن شبكة الصراع الدولي قبل الفتح الإسلامي، لا مدينة معزولة عن التحولات الكبرى.
أما النزاع على المراعي جنوب تدمر الذي يصفه المؤلف، فيبين كيف تحولت حقوق الرعي والجباية إلى قضية بين الإمبراطوريتين. فالماء والمرعى كانا موردين اقتصاديين وعسكريين، لا مسألتين هامشيتين. Falsafa
الثاني عشر: ديانات العب في بلاد الشام قبل الإسلام
عرف العرب في بلاد الشام عبادات متعددة قبل الإسلام، ومن أبرز معبوداتهم اللات والعُزّى وذو الشَّرى ومناة ورُضى لكن هُبل يحتاج إلى معالجة مختلفة: صلته بمكة واضحة في الروايات الإسلامية، أما مدى انتشاره في الشام فأقل توثيقًا.
والتمييز الزمني ضروري: فكثير من الشواهد الوثنية يعود إلى القرون السابقة للقرن الرابع، بينما كانت جماعات عربية واسعة في الشام قد اعتنقت المسيحية قبل الفتوحات الإسلامية.
١. هل كانت هناك ديانة وثنية عربية واحدة؟
لم تكن هناك ديانة موحدة ذات عقيدة واحدة لجميع العرب. كانت لكل مدينة أو جماعة تقاليدها ومعبوداتها، مع تشابه وتبادل وتأثير متبادل بينها وبين الديانات السورية والنبطية واليونانية والرومانية.
كما ينبغي التفريق بين المعبود والصنم: فاللات اسم معبودة، أما التمثال أو الحجر القائم فهو إحدى وسائل تمثيلها أو التعبير عن حضورها المقدس. وقد يكون للمعبود نفسه تمثال بشري في مدينة، وحجر مقدس غير مجسّم في موضع آخر.
وتُظهر نقوش بصرى، مثلًا، أسماء اللات والعُزّى وذو الشرى، إلى جانب بعلشمين وقوس؛ أي إن المعبد المحلي لم يكن بالضرورة مقتصرًا على معبود واحد أو على تقليد منفصل تمامًا عن جيرانه. culture.gouv.fr
٢. اللات — من أوضح المعبودات العربية توثيقًا في الشام
لم تكن اللات معبودة الطائف وحدها؛ فعبادتها موثقة في تدمر وحوران وبصرى والبادية السورية الأردنية والمجال النبطي.
وتثبت النقوش حضورها مباشرة، وليس اعتمادًا على كتب الأخبار الإسلامية فقط. ومن أمثلة ذلك نقش صفائي تعرضه مدونة OCIANA، ويمكن ترجمة دعائه:
«يا لات، السلامة لمن اتجه غربًا ولمن اتجه شرقًا».
مرجع النقش: SIJ 788.1. وهو دعاء بالحماية للمسافرين، يكشف جانبًا من علاقتها بحياة أهل البادية وحركتهم. OCIANA
وفي تدمر كان لها معبد معروف، وتنوع تصويرها؛ فظهرت في هيئة مرتبطة بالحيوانات، ثم في هيئة تشبه أثينا اليونانية المسلحة. ولا يعني هذا أنها كانت مطابقة لأثينا في جميع معتقداتها، بل إن سكان المنطقة عبّروا أحيانًا عن معبوداتهم المحلية بواسطة صور وأسماء يونانية. Palmyra
ولذلك لا يصح اختزال اللات دائمًا في وصف واحد، مثل «إلهة الشمس» أو «إلهة الخصوبة». فقد اختلفت صفاتها وأدوارها بحسب المكان والعصر.
٣. العُزّى — معبودة موثقة في المجال النبطي وحوران
العُزّى أيضًا ليست محصورة في الحجاز. ففي بصرى وردت في النقوش بوصفها معبودة المدينة، مما يثبت وجود عبادتها في جنوب سورية القديمة.
واسمها يفيد القوة والعزة. وقد ربطها بعض الباحثين بصور أفروديت والزهرة في سياقات معينة، لكن ليس من الدقة تحويل هذا الربط إلى تعريف ثابت يشمل كل مواضع عبادتها.
وتوجد كذلك مناقشة علمية حول العلاقة بين اللات والعُزّى: هل كانتا معبودتين مستقلتين دائمًا، أم استُعمل أحد الاسمين أحيانًا لقبًا للآخر؟ الأدلة لا تسمح بفرض جواب واحد على جميع المناطق. culture.gouv.fr
٤. مناة — مرتبطة بالقَدَر والمنية
تظهر مناة في النقوش بصيغ مثل منوتو ومناوات، ويربط الباحثون اسمها ووظيفتها بالقَدَر والمنية.
وهي معروفة في المجال النبطي، وخاصة في نقوش الحِجر بشمال غربي الجزيرة العربية، حيث ترد أحيانًا مع ذو الشرى. كما يوجد شاهد لاتيني باسمها أقامه شخص تدمري خارج الشام، مما يدل على انتقال بعض العبادات مع أصحابها.
لكن حضورها في المادة النقشية ليس بكثافة حضور اللات؛ لذلك لا ينبغي افتراض أن المعبودات الثلاث كانت دائمًا مجموعة واحدة تُعبد بالطريقة نفسها في كل موضع. almuslih.org
وقد ذكر القرآن أسماءهن:
﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّىٰ وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىٰ﴾
سورة النجم، الآيتان ١٩–٢٠.
هذا شاهد على حضور الأسماء في البيئة التي يخاطبها القرآن، أما تحديد انتشار عبادتهن في الشام فيحتاج إلى النقوش والآثار المحلية.
٥. ذو الشَّرى — المعبود الأبرز عند الأنباط
كان ذو الشرى، الذي يرد اسمه أيضًا بصيغة «دوشرا»، من أهم معبودات الأنباط، وارتبط بالبتراء، ثم انتشرت عبادته في حوران وبصرى.
ومن النقوش المذكورة في دراسة بصرى إهداء يمكن نقل معناه:
«لذي الشرى ولآلهة بصرى الأخرى».
وتكشف العبارة أن عبادته كانت جزءًا من منظومة تضم معبودات أخرى، وليست عبادة حصرية.
وقد مُثّل أحيانًا بحجر قائم مقدس، وليس بالضرورة بتمثال بشري. وكانت له صلات بالسلطة الملكية والهوية الدينية النبطية، مع اختلاف تفسير بعض صفاته بين الباحثين. culture.gouv.fr
٦. رُضى أو رُضو — معبود معروف في نقوش البادية
ترد صيغ اسم رُضى أو رُضو في النقوش العربية الشمالية، ومنها نقوش من البادية السورية.
ومن الشواهد اللافتة نقش من وادي السوع في سورية، يتضمن دعاءً إلى اللات بوصفها ابنة رُضو. ومن معناه:
«يا لات ابنة رُضو، نجّي … من سنة الحرب هذه».
مرجع النقش: AWS 283.
وهذا يكشف تصورًا لعلاقات قرابة بين المعبودات لدى بعض الجماعات. لكنه لا يعني أن جميع عبدة اللات في الشام والحجاز اعتقدوا بالنسب نفسه.
المصدر: أحمد الجلاد، دراسة ديانة وطقوس بدو الجزيرة العربية قبل الإسلام، فصل المعبودات وأدوارها. marefa.org
٧. شَيْع القوم ومعبودات تدمر الأخرى
من المعبودات العربية المعروفة في تدمر شَيْع القوم، ويُكتب اسمه في الدراسات بصيغ مختلفة. وتصفه بعض النقوش بأنه المعبود «الذي لا يشرب الخمر».
وتكشف تدمر تداخل تقاليد متعددة؛ فقد عُبدت فيها اللات، إلى جانب معبودات ذات جذور سورية ورافدية، ومنها:
| المعبود | أبرز ما يُعرف عنه في السياق التدمري |
| بعلشمين | مرتبط بالسماء والمطر والخصب |
| شمش | معبود الشمس |
| نبو | مرتبط بالكتابة والتقليد الرافدي |
| نرغال | معبود ذو أصل رافدي |
| أترعتا، أو أتارغاتيس | معبودة سورية كبرى مرتبطة بالحيوانات وغيرها من الوظائف |
| أرسو | من المعبودات التي حضرت في البيئة العربية التدمرية |
ليس المقصود أن كل هذه المعبودات عربية الأصل، بل أن عربًا وغير عرب شاركوا في مجتمع ديني متداخل، تبنّى معبودات من أصول مختلفة. Palmyre
٨. ماذا عن هُبل؟ وهل جاء من الشام؟
توجد رواية إسلامية تربط هُبل بالشام، لكن ينبغي عرضها بوصفها رواية، لا حقيقة أثرية محسومة.
ينقل ابن هشام أن عمرو بن لحي قدم إلى مآب من أرض البلقاء، ورأى أهلها يعبدون الأصنام، ثم يقول:
«فأعطوه صنمًا يقال له هبل، فقدم به مكة فنصبه».
إذن فالصلة بالشام موجودة بالفعل في المصادر العربية. لكن الخبر يبدأ بصيغة «حدثني بعض أهل العلم»، ولا يقدم لنا نقشًا معاصرًا أو وصفًا أثريًا يمكن به التحقق من الواقعة وتاريخها.
المصدر: ابن هشام، السيرة النبوية، خبر جلب الأصنام من الشام إلى مكة. masaha.org
وهناك أيضًا نقاش حول قراءة اسم يشبه هُبل في نقوش نبطية، خاصة من الحِجر. وقد قبل بعض الباحثين صلته بهبل المعروف في الروايات، بينما تحفظ آخرون على القراءة أو على توحيد الشخصيتين الدينيّتين.
ولذلك فالصياغة الأدق هي:
«تربط الرواية الإسلامية هُبل بالبلقاء، وتُناقش شواهد نبطية محتملة لاسمه، لكن مدى انتشار عبادته في بلاد الشام غير واضح، ولا يوازي توثيق اللات وذو الشرى». almuslih.org
وكذلك لا يوجد أساس كافٍ للجزم بأن هُبل كان إله القمر؛ فهذا تعيين يحتاج إلى أدلة مستقلة، وليس مجرد تشابه مفترض بين الأسماء أو الرموز.
٩. هل بقي عرب الشام يعبدون هذه المعبودات حتى الفتح؟
ليس جميعهم، ولا بالدرجة نفسها. يجب الفصل بين:
- العصر النبطي والتدمري، الذي تأتي منه شواهد وثنية كثيرة.
- القرنين الرابع والخامس، اللذين شهدا انتشار المسيحية.
- القرن السادس وعشية الفتح، حين كانت جماعات عربية عديدة في الشام مسيحية.
لذلك لا يصح أن نقول إن تنوخ أو الغساسنة أو جميع عرب حلب كانوا يعبدون اللات وهُبل عند وصول المسلمين. وقد رأينا أن خبر حاضر قنسرين نفسه يتحدث عن سكان عرب بقي بعضهم على المسيحية.
وبالنسبة إلى حلب وقنسرين وعبطين تحديدًا، فإن وجود اللات في تدمر أو بصرى لا يثبت وجود معبد لها في عبطين. لإثبات ذلك نحتاج إلى نقش باسمها، أو إهداء واضح، أو منشأة دينية ذات قرائن معروفة.
واللات هي أوضح مثال للإجابة عن سؤالك: معبودة عربية موثقة في بلاد الشام بالنقوش والمعابد؛ أما هُبل فصلة الشام به قائمة أساسًا على الروايات ونقاش شواهد محدودة، ويجب إبقاء الفرق بينهما واضحًا.
أسد اللات في تدمر من أوضح الشواهد الأثرية على عبادة اللات في بلاد الشام، وتكمن أهميته في اجتماعه مع نقش ديني يشرح رمزيته.
ما هو التمثال؟

هو منحوتة ضخمة من الحجر الكلسي، يبلغ ارتفاعها نحو ٣٫٥ أمتار، تؤرَّخ إلى أوائل القرن الأول الميلادي. اكتشفته البعثة البولندية سنة ١٩٧٧ في حرم معبد اللات بتدمر؛ وكانت قطعه قد أُعيد استخدامها قديمًا في أساسات بناء لاحق. Palmyra Archaeological Museum
يظهر الأسد وبين قائمتيه الأماميتين حيوان من فصيلة الظباء، يُفسَّر بأنه المها العربي. والمشهد لا يصوّر افتراسًا؛ بل يُفهم بوصفه حماية للحيوان داخل الحرم المقدس. وقد ربط مكتشفه، عالم الآثار ميخاو غافليكوفسكي، هذه الصورة بمنع إراقة الدم في المعبد. archiv.ub.uni-heidelberg.de
النقش هو مفتاح فهمه
يحمل التمثال نقشًا بالآرامية التدمرية، مسجلًا بالرقم PAT 1122، ويمكن ترجمة معناه إلى العربية:
«لتبارك اللات مَن لا يسفك دمًا في الحرم».
هذه ترجمة للمعنى، وليست كتابة عربية موجودة على الحجر. والنقش متضرر جزئيًا، لكن قراءته المنشورة تربطه باللات وبحرمة إراقة الدم في نطاق المعبد. Palmyra Archaeological Museum
ومن المهم ألّا نعمّم هذا الحكم: فهو يتعلق بحرمة المكان المقدس، ولا يثبت أن جميع عبدة اللات امتنعوا عن الذبح أو الحرب في حياتهم كلها.
هل الأسد هو اللات نفسها؟
الأدق أن نسميه أسدًا مرتبطًا باللات وحرمها ورمزًا لحمايتها، لا أن نجزم بأن المعبودة كانت تُتصوَّر دائمًا في هيئة أسد.
فقد تعددت صور اللات في تدمر: ارتبطت بصورة المعبودة الحامية للحيوانات، وظهرت كذلك في هيئة قريبة من أثينا اليونانية المسلحة. وهذا يعكس تداخل التقاليد العربية والسورية واليونانية داخل المجتمع التدمري. Palmyre
وماذا يثبت لتاريخ العرب في تدمر؟
يثبت التمثال والنقش والمعبد أن عبادة اللات كانت مؤسسة دينية فعلية في تدمر قبل الإسلام بقرون؛ فلم تكن معرفتنا بها مستمدة من روايات الحجاز وحدها. لكنه لا يعني أن جميع التدمريين كانوا يعبدونها، أو أن جميع معبودات تدمر عربية الأصل؛ فقد ضمت المدينة معبودات وتقاليد من أصول متعددة. Palmyre
ويمكن إدراج هذه الفقرة في مقالك:
يمثل أسد اللات في تدمر شاهدًا بارزًا على حضور المعبودات العربية في الحياة الدينية للمدينة خلال القرن الأول الميلادي. وتجمع المنحوتة بين قوة الأسد وحماية حيوان ضعيف بين قائمتيه، بينما يربط نقشها الآرامي التدمري بركة اللات بالامتناع عن سفك الدم داخل الحرم. وبذلك تكشف عن وظيفة المعبد بوصفه مكانًا للحماية والحرمة، وعن تداخل التقاليد العربية مع البيئة الدينية والفنية التدمرية.
الثالث عشر: المسيحية العربية قبل الفتح
كانت المسيحية قد انتشرت بين جماعات عربية عديدة قبل الإسلام بقرون. وأسهم في ذلك اتصالها بالمدن والأديرة والرهبان، ورعاية بعض الزعماء، والتجارة والمصاهرة.
ولم يكن اعتناق المسيحية يعني التخلي عن العربية أو عن التنظيم القبلي.
ومن الشواهد المبكرة خبر الملكة ماوية في القرن الرابع. يروي سوزومينوس حربها مع الروم، ثم اشتراطها تعيين موسى أسقفًا على جماعتها.
ومن عبارته، بترجمة عربية مختصرة:
«رفضت الصلح ما لم يُرسم موسى أسقفًا على رعاياها».
المصدر: سوزومينوس، التاريخ الكنسي، 6.38. Wikisource, the free online library
تكشف الرواية قدرة قيادة عربية على إدخال مطلب ديني في تسوية سياسية. لكنها تظل رواية مؤرخ كنسي، ينبغي الانتباه إلى غرضه في إبراز دور الإيمان والرهبان.
نقش حَرّان في جنوب سورية
في حَرّان باللجاة جنوب دمشق، وليس حَرّان الجزيرة قرب الرها، نقش عربي يوناني مؤرخ إلى نحو 568–569م.
ومن قراءته العربية الميسرة:
«أنا شرحبيل … بنيت ذا المرطول».
والمقصود بالمرطول منشأة تذكارية لشهيد مسيحي، ويتصل النص اليوناني بالقديس يوحنا. وقد اختلف الباحثون في قراءة بعض الأسماء والكلمات، ولذلك لا ينبغي إخفاء هذا الاختلاف عند الاستشهاد.
المصدر: بيير لارشيه وفيليب كاسوتو، دراسة نقش حَرّان، 2020، ص33–42. Cairn.info
نقش زَبَد قرب حلب
يجمع شاهد زَبَد بين اليونانية والسريانية والعربية في سياق مسيحي. ويؤرخ القسمان اليوناني والسرياني إلى سنة 512م.
لكن الجزء العربي لا يحمل تاريخًا مستقلًا؛ لذلك فمعاصرته الدقيقة للقسمين الآخرين تحتاج إلى بيان، ولا يصح عرض سنة 512م باعتبارها تاريخًا يقينيًا منفصلًا لكل حروفه العربية. ومع ذلك يبقى شاهدًا مهمًا على العربية في شمال الشام قبل الإسلام. journals.unibuc.ro
الرابع عشر: المذاهب المسيحية وعلاقتها بالسياسة
لم تكن المسيحية في المشرق كتلة مذهبية أو سياسية واحدة.
بعد مجمع خلقيدونية سنة 451م، استمرت خلافات عقائدية ومؤسسية واسعة. وتباين موقف الأباطرة من الجماعات المعارضة، كما نشأت شبكات أسقفية ورهبانية متنافسة.
وارتبط عدد من الجفنيين برعاية المسيحيين غير الخلقيدونيين، مع استمرار تحالفهم مع الدولة البيزنطية التي تبنت رسميًا خلقيدونية.
وهذا مثال واضح على عدم تطابق المذهب والولاء السياسي: يمكن للحليف أن يخالف الإمبراطور كنسيًا، ويظل شريكًا له في الحرب.
وفي العراق وإيران برزت كنيسة المشرق، التي تسميها دراسات قديمة «النسطورية»، مع ضرورة عدم اختزال تاريخها في هذا الوصف.
وتذكر المصادر مجمع سنة 410م في المدائن، وتنظيم الأسقفيات ضمن المجال الساساني. فخضوع المسيحيين للملك الساساني لم يجعلهم زرادشتيين، كما لم يجعلهم تلقائيًا أنصارًا لبيزنطة. Encyclopaedia Iranica
وتدعم الآثار هذا التنوع؛ فقد كُشفت كنائس وزخارف مسيحية في الحيرة، ومنشآت كنسية في شمال العراق. وتواريخ كل منشأة تحتاج إلى دراسة خاصة، لكنها تؤكد أن المجال الساساني لم يكن دينيًا أحاديًا. Encyclopaedia Iranica
الخامس عشر:الزرادشتية واليهودية والعبادات التقليدية
كانت الزرادشتية ذات مكانة مركزية في شرعية الدولة الساسانية ومؤسساتها، لكن سكان العراق وإيران لم يكونوا جميعًا زرادشتيين.
وحضرت اليهودية في فلسطين والعراق وواحات من الجزيرة العربية، ضمن جماعات لها مؤسسات وصلات مختلفة. ولا يصح اعتبارها كتلة سياسية واحدة مرتبطة دائمًا بطرف إمبراطوري بعينه.
كما بقيت العبادات التقليدية في أجزاء من الجزيرة والبوادي. وتساعد النقوش على معرفة أسماء الآلهة والدعاء والطقوس، لكنها لا تسمح دائمًا بتحديد قبيلة صاحبها أو نسبة أتباع الدين في الإقليم.
كذلك لا يثبت الاسم المشتق من اسم إله قديم أن صاحبه ظل يعبد ذلك الإله؛ فقد تستمر الأسماء بعد تغير المعتقد.
وتحذر دراسة أنطاكية وريفها من افتراض أن الريف السوري ظل وثنيًا بصورة شبه كاملة حتى الفتح. فالأدلة العمرانية والنقشية تشير إلى تقدم المسيحية في مناطق ريفية خلال أواخر العصور القديمة، دون أن يجوز تعميم هذا المسار على كل البادية السورية. Persée
السادس عشر: نصوص عربية تكشف السياسة والدين
نقش جبل أُسيس
يؤرخ نقش جبل أُسيس، جنوب شرقي دمشق، إلى 528–529م. وفي قراءة ميسرة للجزء المتعلق بالمهمة:
«أرسلني الحرث الملك على أسيس مسلحة».
توجد خلافات في قراءة اسم صاحب النقش وأبيه وبعض التفاصيل، لكن الجزء المتصل بالأمر الملكي والمهمة العسكرية واضح الأهمية.
ويربط الباحثون الملك عادة بالحارث الجفني؛ وهذا تفسير تاريخي، وليس اسم الأسرة مكتوبًا كاملًا على الحجر.
المصدر: بيير لارشيه، دراسة نقش جبل أُسيس، ص80–82. journals.unibuc.ro
الشعر والبيئة المسيحية
يقول النابغة الذبياني، في شطر محفوظ في كتب الأدب واللغة:
«يُحيَّون بالريحان يوم السباسب».
وفسرت الشروح السباسب بعيد الشعانين.
يفيد ذلك في تصوير بعض تقاليد البيئة البلاطية المسيحية، لكن الشعر وصل في تدوين لاحق، وبيت المديح ليس تعدادًا للسكان ولا وثيقة تحدد دين قبيلة كاملة.
يُراجع: الجاحظ، البيان والتبيين، 3/73 في العرض الرقمي؛ والبغدادي، خزانة الأدب. البيان والتبيين
القرآن والحرب الإمبراطورية
جاء في سورة الروم:
﴿غُلِبَتِ الرُّومُ في ادنى الارض وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾.
سورة الروم، الآيتان 2 و3.
يكشف النص حضور الصراع بين الإمبراطوريتين في أفق الجزيرة العربية زمن ظهور الإسلام، لكنه لا يكفي وحده لتحديد مواقع كل المعارك أو مواقف جميع القبائل.
السابع عشر: الاقتصاد والطرق والاستيطان
لا يُفهم موقع العرب بين الإمبراطوريتين من الحرب وحدها.
فقد ربطت البادية مدن الشام والعراق بواحات الجزيرة، وربطت الموانئ بالمسالك البرية. وتداخل الرعي مع التجارة والزراعة والخدمة العسكرية، ولم تكن حدود هذه الأنشطة حاجزًا يفصل مجتمعين لا يلتقيان.
وكانت السيطرة على بئر أو ممر أو سوق تمنح الزعيم موردًا وقدرة على التفاوض. ومن هنا جاءت أهمية الأدلاء والحماية والجباية والعطايا الإمبراطورية.
وفي شمال الشام كانت الكنائس والأديرة جزءًا من شبكة الريف والاستقرار والزيارة والعمل، لكنها لم تكن كلها حصونًا عسكرية.
وهذا مهم في دراسة محيط عبطين: فالصلة بقنسرين وحلب والبادية قد تفسر تنوع وظائف المواقع، لكن تعيين وظيفة كل مغارة أو حوض أو بئر يحتاج إلى فحصه وسياقه، لا إلى الانطباع العام وحده.
الثامن عشر: الحرب البيزنطية الساسانية الأخيرة
اندلعت الحرب الكبرى الأخيرة عقب أزمة الحكم البيزنطي سنة 602م، واستمرت حتى تسوية 628م وما أعقبها من انسحابات وتنفيذ.
تقدمت الجيوش الساسانية، واحتلت أجزاء واسعة من الشام وفلسطين، وسقطت القدس سنة 614م، ثم امتدت السيطرة إلى مصر.
ثم قاد هرقل هجومًا مضادًا، وانتهت أزمة الحكم الساساني بخلع كسرى الثاني ومقتله سنة 628م، وأعقبت ذلك استعادة الحكم البيزنطي على مراحل. Encyclopaedia Iranica
ولذلك فإن القول إن «الشام كانت بيزنطية قبل الفتح» صحيح بوصفه إطارًا عامًا، لكنه يحتاج إلى توضيح: شهدت الشام وفلسطين حكمًا ساسانيًا خلال سنوات مهمة قريبة جدًا من الفتوحات.
كما أن استعادة السيادة لا تعني أن الضرائب والحاميات والقيادات والطرق عادت فورًا إلى أوضاعها السابقة.
وتضاف إلى الحرب آثار الأوبئة منذ القرن السادس، لكن تقدير شدتها وتأثيرها موضوع نقاش. فلا يجوز افتراض أن جميع المدن كانت خاوية، أو جعل الطاعون تفسيرًا وحيدًا لنتائج الفتح.
التاسع عشر: لماذا لم يتخذ العرب موقفًا واحدًا من الفتوحات؟
لم تكن العربية وحدها كافية لتوحيد الموقف السياسي.
فقد ارتبطت قرارات الجماعات المحلية بالتحالفات والدين والمصلحة والخوف على الأرض والمنافسة القبلية والتقدير العسكري. وقد تختلف بطون القبيلة نفسها في ولائها.
وتظهر المصادر عربًا خدموا الساسانيين، وآخرين نازعوهم، وعربًا قاتلوا مع البيزنطيين، وآخرين صالحوا المسلمين. كما بقيت جماعات عربية على المسيحية بعد انتقال السلطة. Encyclopaedia Iranica
لذلك لا يصح تصوير الفتح باعتباره دخول عرب إلى بلاد لم تعرفهم، ولا تصويره انتقالًا سلميًا شاملًا بين عرب كانوا متحدين سابقًا.
كما لا يثبت الخلاف الكنسي أن جميع المسيحيين المخالفين للإمبراطور رحبوا بالجيوش الإسلامية. فكل مدينة وجماعة تحتاج إلى دراسة ظروفها الخاصة.
كان التحول الأساسي انتقال مركز القرار السياسي إلى سلطة إسلامية جديدة، ثم نشوء ترتيبات للجند والجباية والاستيطان. أما انتشار العربية والإسلام، فكان أبطأ وأكثر تفاوتًا من زمن المعارك.
جدول موجز للتحولات الأساسية
| التاريخ | الحدث | الدلالة |
| 106م | ضم المملكة النبطية إلى روما | تغير الحكم لا يعني اختفاء السكان |
| نحو 240–241م | سقوط الحضر | شاهد عربي أقدم، لا مملكة باقية إلى الفتح |
| 272م | نهاية المشروع السياسي التدمري | ضرورة الفصل بين العصور |
| 328م | نقش النمارة | استعمال لقب ملك العرب قبل الإسلام |
| 363م | انتقال نصيبين إلى الساسانيين | حدود سياسية تقطع مجالًا اجتماعيًا متصلًا |
| 451م | مجمع خلقيدونية | تعمق الخلاف الكنسي |
| 512م | تأريخ القسمين اليوناني والسرياني في زَبَد | سياق مسيحي متعدد اللغات |
| 528–529م | نقش جبل أُسيس | العربية في مهمة عسكرية ملكية |
| 531م | حملة شارك فيها عرب الطرفين | شمال الشام ضمن الصراع الإمبراطوري |
| 568–569م | نقش حَرّان اللجاة | العربية في سياق مسيحي |
| نحو 602م | نهاية الأسرة اللخمية | اضطراب الوساطة السياسية في العراق |
| 602–628م | الحرب الكبرى الأخيرة | تبدل واسع للسلطة والموارد |
| 614م | سقوط القدس بيد الفرس | انقطاع الحكم البيزنطي في فلسطين |
| 628–630م | التسوية والانسحابات على مراحل | مرحلة انتقالية قبيل الفتوحات الكبرى |
خاتمة مرتبطة بحلب وقنسرين وعبطين
كان العرب جزءًا من تاريخ المشرق قبل الإسلام، في المدن والقرى والبوادي، وامتد حضورهم من شمال الجزيرة إلى فلسطين والشام والعراق والجزيرة الفراتية.
لكن هذا الوجود لم يُلغِ تعدد سكان المنطقة، ولم يؤدِّ إلى وحدة سياسية أو دينية. فقد عاش العرب داخل النظامين البيزنطي والساساني وعلى تخومهما، وأدوا أدوارًا عسكرية واقتصادية ودينية، واحتفظوا بدرجات متفاوتة من الاستقلال المحلي.
وفي منطقة حلب وقنسرين، تقدم أخبار الحواضر وتنوخ وطيء وشواهد العربية المسيحية أساسًا واضحًا لدراسة الوجود العربي السابق للفتح.
أما عبطين نفسها، فلا يجوز نسبتها إلى قبيلة محددة في القرن السادس دون دليل محلي مباشر. والمطلوب للانتقال من السياق الإقليمي إلى التاريخ المحلي نقش مؤرخ، أو ذكر نصي يمكن تعيينه جغرافيًا، أو طبقات أثرية مدروسة.
وهذا يجعل البحث في عبطين ومحيطها مهمًا: فالسؤال ليس هل عرف الإقليم العرب قبل الإسلام؛ فهذا ثابت، بل كيف كان الاستيطان في موقع القرية وتلالها، وما علاقته بقنسرين وحلب والطرق والموارد المحيطة؟
أهم المصادر والمراجع
المصادر القديمة والنقوش
- البلاذري، فتوح البلدان، دار ومكتبة الهلال، بيروت، 1988، ص143–144، أخبار قنسرين وحلب.
النص الرقمي لخبر حاضر قنسرين - ابن العديم، زبدة الحلب في تاريخ حلب، حواشي خليل المنصور، 1996، ص12 في العرض الرقمي.
خبر حاضر حلب - بروكوبيوس، الحروب الفارسية، الكتاب الأول، الفصول 17–19؛ والكتاب الثاني، الفصل الأول. ترجمة H. B. Dewing، 1914.
الكتابان الأول والثاني - سوزومينوس، التاريخ الكنسي، 6.38، خبر ماوية وموسى.
الترجمة الإنجليزية المنشورة - ديودور الصقلي، المكتبة التاريخية، 2.48.1.
النص بترجمة إنجليزية - سترابون، الجغرافيا، 16.4.21–23.
البتراء والأنباط - Pierre Larcher، دراسة نقش جبل أُسيس، ص79–98؛ تتضمن مناقشة القراءات وتأريخ زَبَد.
الدراسة الكاملة - Pierre Larcher et Philippe Cassuto، دراسة نقش حَرّان، Bulletin d’études orientales، 67، 2020، ص33–42.
الدراسة
الدراسات الحديثة
- Irfan Shahîd، Byzantium and the Arabs in the Sixth Century، سلسلة أجزاء في التاريخ السياسي والكنسي والجغرافيا والاقتصاد، Dumbarton Oaks، 1995–2009. مرجع أساسي للتوسع، ولم أنسب إليه هنا نصوصًا حرفية غير مقابلة.
بيانات السلسلة وأجزائها - Marie-Odile Rousset، Al-Hadir Étude archéologique d’un hameau de Qinnasrin، 2012؛ وخاصة فصل السياق التاريخي ودراسة المواد الأثرية.
السياق التاريخي - Moshe Gil، A History of Palestine 634–1099، Cambridge University Press، 1992؛ الفقرات التمهيدية عن القبائل الفلسطينية وتخومها.
- Encyclopaedia Iranica، مواد:
اللخميون،
الرها،
الاستيطان العربي،
الأُبُلّة،
كسرى الثاني. - Pierre-Louis Gatier، دراسة تنصير أنطاكية وريفها، Topoi، ملحق 12، 2013، ص61–96.
الدراسة - OCIANA، مدونة نقوش شمال الجزيرة العربية القديمة.
المدونة العلمية
ملاحظة توثيقية: الاقتباسات الواردة مقتطفات قصيرة؛ والترجمات العربية عن المصادر اليونانية مبيّنة بصفتها ترجمات، وليست نصوصًا عربية قديمة. كما أن اختلاف صفحات الطبعات لا يغير ضرورة الرجوع إلى الكتاب والفصل أو إلى الموضع المحدد في كل إحالة.
Votre commentaire